أصدر معهد التمويل الدولي تقريرًا لتقييم آفاق سوق النفط العالمية المتغيّرة، مع التركيز على كيفية تأثير التطوّرات الجيوسياسية، وإدارة العرض، والطاقة الإنتاجية الخاملة على ديناميكيات الأسعار. ويولي التقرير اهتمامًا خاصًا بفنزويلا باعتبارها عاملًا محوريًا في تقلّبات السوق، ولاستجابة كبار مُصدّري النفط لبيئة وفرة المعروض النفطي.
يشير حدث إطاحة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، من قبل الولايات المتحدة، وتعيين نائبته ديلسي رودريغيز، إلى نهجٍ يرتكز على الضغط على قطاع النفط بدلًا من الإدارة اليوميّة. وقد تعاملت الأسواق مع هذا الأمر باعتباره مسارًا للتطبيع على المدى المتوسّط، وليس صدمة عرضية على المدى القريب: إذ بقيت أسعار النفط عند حوالى 60 دولارًا للبرميل، مدعومةً بفائض العرض العالمي وانضباط أوبك+.
تمتلك فنزويلا أكبر احتياطيات نفطية مؤكّدة في العالم، متجاوزةً احتياطيات المملكة العربية السعودية، ومع ذلك، فقد انهار إنتاجها النفطي على مدى العقود الثلاثة الماضية من 3.3 ملايين برميل يوميًا في عام 2005 إلى حوالى مليون برميل يوميًا في الفترة 2024-2025، أي ما يعادل 1 % تقريبًا من الإمدادات النفطية العالمية. ويعكس هذا التراجع مزيجًا من عمليات التأميم السابقة، والعقوبات، والتدهور المؤسسي في شركة النفط الفنزويلية (PDVSA)، وغياب الاستثمار لفترة طويلة. والنتيجة هي انفصال هيكلي بين الموارد المتاحة والإمدادات الفعلية، الأمر الذي لا يؤدي إلى تضييق السوق اليوم، ولكنه يُؤثر بشكل متزايد على التوقعات بشأن الإمدادات المستقبلية، ويحدّ من إمكانية ارتفاع الأسعار على المدى الطويل.
توقعات مستقبلية
تشير التوقعات إلى أن فنزويلا قد تصبح خيارًا أكثر أهميّة للإمداد على المدى المتوسط، بدلًا من كونها مصدر صدمة فورية. في ظلّ سيناريو سياسيّ وتجاريّ بناء، يمكن أن يرتفع الإنتاج تدريجيًا ليصل إلى 1.2 مليون برميل يوميًا بحلول العام 2027، من خلال إعادة تأهيل الحقول القائمة. ومن شبه المؤكد أن تقود هذا الانتعاش شركاتٌ راسخةٌ بالفعل في البلاد، لا سيّما شركة شيفرون، إلى جانب شركات أوروبية مثل إيني وريبسول، وشركات صينية ذات علاقات تجارية طويلة الأمد. أمّا الزيادات التحويلية الكبرى، التي تصل إلى 1.8 مليون برميل يوميًا أو أكثر، فلن تتحقق سوى على المدى البعيد، إذ تتطلّب سنوات عديدة من الإنفاق الرأسمالي المستدام، وإعادة بناء القدرة الخدمية، وأطرًا قانونية ومالية موثوقة.
في هذا السياق، يبقى سلوك أوبك+ محوريًا في تحديد الأسعار. ضمن أوبك+، تهيمن السعودية وروسيا على استراتيجية الإمداد، حيث تواجه كلتاهما حوافز لإدارة السوق بدلًا من إغراقها. قد يُعزز وجود فنزويلا كمورد محتمل في المستقبل الحاجة إلى ضبط الإنتاج: فمنظمة أوبك+ ليس لديها حافز كبير لتحمّل فائض العرض اليوم، في حين قد تظهر براميل إضافية غدًا. وفي هذا الصدد، اختارت أوبك+ مؤخرًا تعليق زيادات إنتاج النفط الخام حتى نهاية آذار 2026 على الأقلّ، مُحافظةً على حصص الإنتاج الحالية بدلًا من إضافة براميل جديدة إلى سوق مُرهَقة بالفعل. ويعكس هذا القرار توازنًا حذرًا: إذ تواجه أوبك+ تباطؤًا في نموّ الطلب العالمي وارتفاعًا في المخزونات. ومن خلال تثبيت الإنتاج، تهدف الدول المُصدِّرة الرئيسية للنفط، مثل السعودية وروسيا، إلى دعم استقرار الأسعار مع الحفاظ على المرونة الاستراتيجية في مواجهة حالة عدم اليقين في السوق.
ويُعزز نموّ العرض من خارج أوبك هذا المنطق. وتواصل الولايات المتحدة زيادة إنتاجها، ولكن بوتيرة أكثر اعتدالًا وانضباطًا ممّا كانت عليه في دورات النفط الصخري السابقة، حيث يُعطي المنتجون الأولوية لعوائد رأس المال على التوسّع السريع. بحسب التقرير الشهري الأخير الصادر عن إدارة معلومات الطاقة الأميركية، لن يرتفع إنتاج الولايات المتحدة من النفط الخام إلّا بمقدار 0.1 مليون برميل يوميًا ليصل إلى 13.5 مليون برميل يوميًا في عام 2026. ويُقارن هذا بزيادة سنوية قدرها 0.3 مليون برميل في عامي 2024 و 2025. وتساهم كندا في النموّ التدريجيّ من خلال مشاريع الرمال النفطية ذات فترات الإنتاج الطويلة ومعدّلات الإنتاج المستقرّة، بينما يُضيف منتجو النفط البحري، مثل الأرجنتين والبرازيل وغيانا، كمّيات كبيرة من النفط الخام من مشاريع المياه العميقة، وهي كميات ثابتة لا تتأثر بتقلّبات الأسعار. وتُسهم هذه المصادر مُجتمعةً في رفع مستوى العرض الهيكلي في السوق، والحدّ من احتمال حدوث ارتفاعات سعرية مستدامة مدفوعة بزيادة العرض.
لا يُشكّل الطلب العالمي على النفط توازنًا يُذكر في ظلّ هذا الوضع العرضيّ. فمن المتوقع أن يظلّ نموّ الطلب العالمي في الفترة 2026-2027 معتدلًا عند حوالى مليون برميل يوميًا سنويًا، ما يعكس عوامل دورية وهيكلية. وسيؤثر تباطؤ نمو الطلب في الصين - المحرّك الأكبر للزيادة، والمسؤول عن أكثر من نصف الزيادة العالمية في الطلب على النفط خلال العقد الماضي - سلبًا على التوسّع الإجمالي. إضافةً إلى ذلك، من المتوقع أن تُسهم التحسينات المستمرّة في كفاءة الطاقة في القطاعات الصناعية والتجارية والسكنية في الحدّ من كثافة استخدام النفط، في حين أن كهربة النقل، بما في ذلك التسارع في تبني السيارات الكهربائية في الأسواق الرئيسية، ستُقلّل تدريجيًا من الاعتماد على البنزين والديزل. علاوةً على ذلك، سيستمرّ استبدال النفط بالغاز الطبيعي والطاقة المتجدّدة في توليد الطاقة والعمليات الصناعية في الحدّ من نمو استهلاك النفط، ما يُؤدي إلى سيناريو قد تُعوّض فيه حتى الزيادات الطفيفة في الطلب عن طريق التحوّلات الهيكلية نحو مصادر طاقة أنظف.
تشير هذه الاتجاهات مجتمعةً إلى أن عوامل العرض، بدلًا من نموّ الطلب، ستُهيمن على الأرجح على ديناميكيات سوق النفط في الفترة 2026-2027، ما يجعل الأسعار تعتمد بشكل كبير على انضباط أوبك+ والتطوّرات الجيوسياسية.
وبناءً على ذلك، تُشير هذه القوى مجتمعةً إلى سوق نفط في الفترة 2026-2027 تتمتع بوفرة في الإمدادات ولكنها تُدار بفعالية. لا تُضيف فنزويلا براميل نفط فورية، لكن إمكاناتها على المدى المتوسط تُلقي بظلالها على التوقعات؛ ويستمرّ المعروض من خارج أوبك في التوسّع بثبات؛ ويظلّ نموّ الطلب ضعيفًا هيكليًا. في ظلّ هذه الظروف، يقع عبء استقرار الأسعار بالكامل على عاتق أوبك+، التي من المرجّح أن تتخذ إجراءات دفاعية تجاه أي ضعف مستمرّ في الأسعار.