جويل غسطين

"البيت بيتك" مسرحيّة غنائيّة تواجه الهجرة في سبيل الشفاء

6 دقائق للقراءة

في وقت تكثر فيه الهجرة فتتشتت الأُسر بين الداخل والخارج وتبرد العلاقات، تأتي مسرحية "البيت بيتك" لتعيد طرح السؤال الأقدم والأكثر إيلامًا: ماذا نفعل حين نعود إلى المكان الذي هربنا منه؟ بين بيت الطفولة، والذكريات المؤجَّلة، والحب القديم، والخسارات غير المعالَجة، تنسج المسرحيّة الغنائيّة حكاية إنسانية عن العودة، والشفاء، والانتماء، في عملٍ قُدِّم عرضه الأول على "مسرح المونو" في الأشرفيّة مساء الخميس، بحضور اللبنانية الأولى نعمت عون.

"البيت بيتك"، عرضٌ يتجاوز الترفيه، ليغوص في قضايا نفسية واجتماعية عميقة، مع نخبة من الفنانين: ألين لحود، طوني أبو جودة، مايا يمّين، ماريا بشارة، وبمشاركة تمثيلية لمخرج العمل وكاتبه سامر حنا.

تدور أحداث المسرحيّة حول "داليا" (ألين لحود) التي تهاجر إلى دبي هربًا من ظروف صعبة، ثم تعود إلى لبنان في زيارة قصيرة قبل أن تُجبرها الحرب على البقاء، حيث تبدأ رحلة المواجهة والشفاء ضمن تسلسل أحداث تخدم السياق الدرامي للعرض. هنا، تلتقي بحبيبها السابق "مروان" (طوني أبو جودة) وبشقيقتها "جومانا" (مايا يمّين)، فتتكشف الصدمات القديمة وتبدأ عمليّة مواجهة الألم وتفكيكه بدل الهروب منه. أما حنا فإلى تأليف المسرحية وإخراجها، يؤدّي على الخشبة دور "جاد" ابن "جومانا"، شاب يعمل مع والدته في فرنٍ خاص بهما، والذي تسعى والدته جاهدة لبيع المنزل الوالديّ في الضيعة أملًا في تحسين أوضاعهما المادية.


ثلاث قضايا

يشير سامر حنا في حديثه مع "نداء الوطن" إلى كونه يسلّط الضوء في عمله المسرحيّ على ثلاث قضايا أساسيّة هي: الصَّدمات النفسيّة غير المعالَجة، الهجرة وما تتركه من فراغ خلفها، ودَور الأم كحجر أساس في تماسك العائلة.

ويوضح كاتب المسرحيّة أن عنوانها "البيت بيتك"، يحمل دلالته من الصراع الأساسي حول المنزل العائلي الذي تقرّر "جومانا" بيعه بعد وفاة الأم، ليكون المشتري هو حبيب "داليا" القديم نفسه، فتتحوّل المعركة إلى محاولة مستميتة لمنع أن يصبح "البيت بيته"، لأنه في جوهره ما زال بيتها وذاكرتها.

تولّى حنا تلحين وتوزيع أغنيات المسرحيّة بمشاركة منير حلبي، فيما كتبت جوانا طوبيّا الشعر الغنائي. ويعتبر حنا هذه التجربة تحدّيًا كبيرًا ونقلة نوعيّة في مسيرته ضمن المسرح الغنائي، كونها التجربة الأولى التي يتمّ فيها تأليف أغنيات المسرحية من النقطة صفر.

أما اختيار طاقم العمل فجاء، بحسب سامر حنا، انطلاقًا من العلاقة الإنسانية والفنيّة التي جمعته بهم. يقول إن طوني أبو جودة كان خياره الأول، لِما يحمله من صدق وحضور يناسبان الدور. أما ترشيح ألين لحود فجاء من أبو جودة نفسه، ليصفها سامر حنا بالفنانة الخبيرة والمحبوبة على المستوى المسرحيّ. أما بالنسبة لمايا يمّين، فقد وجد فيها حنا ما يناسب أداء شخصية "جومانا" تمامًا. ويؤكّد سامر حنا أخيرًا أنه لا يتخيّل عملًا من دون ماريا بشارة التي شاركته سائر أعماله السابقة، لِما تتمتع به من فهم عميق لرؤيته الفنية.


عودة عصريّة شبابيّة

تؤدّي الفنانة ألين لحود دور الشخصيّة الرئيسية "داليا"، المرأة التي تحمل في داخلها صراع الهجرة والذاكرة والخذلان. هي ترى في هذه التجربة عملًا مختلفًا ومميزًا، لا سيّما أنه يعيدها إلى المسرح الغنائي الذي اشتاقت إليه، لكن هذه المرّة بصيغة عصرية وشبابية. تصف لحود، في حديثها مع "نداء الوطن"، شخصيّة "داليا" بأنها تشبهها في تمرّدها وروحها الثورية، وتختلف عنها في جوانب أخرى، معتبرة أنّ ما يميّز "البيت بيتك" عن المسرحيّات الغنائية التي شاركت فيها سابقًا، هو طابعها "المودرن"، بعيدًا من الأعمال التاريخية أو الثورية الكلاسيكية. كما تعبّر عن فرحتها بعودة المسرح الغنائي إلى الواجهة، بعد مخاوف حقيقية من اندثاره في السنوات الماضية.


نَصّ جاذب

الفنان طوني أبو جودة أو "مروان" في المسرحية، قال لـ "نداء الوطن" إنه وجد في نَصّ مسرحيّة "البيت بيتك" ما جذبه فورًا للمشاركة فيه، واصفًا السيناريو بالسهل والواضح، ما يجعله قريبًا من الجمهور وسلسًا في الأداء. أبو جودة في العرض المسرحيّ يؤدّي شخصية أربعينيّ هاجر إلى الخارج ونجح في عمله رغم شغفه القديم بالتمثيل الذي اضطر للتخلّي عنه تحت ضغط الظروف. وبعد تحقيقه الاستقرار المادي، يقرّر العودة إلى لبنان لشراء منزل وتحويله إلى مشروع سياحي، في رحلةٍ معقدة تعيده إلى مواجهة حبّ قديم شكّل جزءًا من تاريخه الشخصي.

يحمل دور "مروان" رسالة واضحة عن الأمل وعدم الاستسلام، وعن إصرار المغترب اللبناني على العودة إلى وطنه يومًا، محمّلًا بخبراته وحلمه في المساهمة بإعادة البناء.


شغف وثقة

تصف مايا يمين من جهتها مشاركتها في مسرحية "البيت بيتك" بأنها عودة إلى المسرح الغنائي الذي كانت تفتقده، موضحةً أن ما جذبها إلى العمل ليس الدَّور بحدّ ذاته بل طبيعة المسرح الذي يقدّمه سامر حنا، والمساحة الفنية التي وجدتها قريبة من شغفها، إلى جانب ثقتها بمشاريعه. تؤدي يمّين كما أشرنا دور "جومانا" التي تختار البقاء إلى جانب العائلة والبيت والضيعة، وتُعتبر نقيضًا لأختها "داليا" وحلقة وصل أساسية في النسيج الأُسريّ للعمل، ضمن أجواء تصفها بالعائلية بامتياز.

وعن تعاونها الأول مع حنا، تشير يمّين لـ "نداء الوطن" إلى أن العلاقة الفنية والإنسانية ما زالت في طور التشكّل، مثنيةً على طموحه وشغفه وإصراره على تحقيق ما يؤمن به، كأحد أبناء الجيل الشاب في المسرح.


بقاء ورحيل

يُضاف إلى نسيج الشخصيات حضور "ميشا" التي تؤدي دورها ماريا بشارة. هي مساعدة "داليا" التي تجد نفسها، مثلها، عالقة في لبنان. ومن خلال العلاقة الخاصة التي تنشأ بينها وبين "جاد" (سامر حنا)، يعيد العمل طرح ثنائيّة متكرّرة في مساره الدرامي: شخص يختار البقاء في لبنان، وآخر يرحل ويسافر، في انعكاس واضح لدائرة الهجرة والانفصال التي تتكرّر داخل المجتمع اللبناني.

في "البيت بيتك"، لا يقتصر المسرح على كونه مساحة للترفيه، بل يتحوّل إلى انعكاس لقضيتَي الهوية والانتماء، حيث تُقدَّم العودة إلى الوطن والبيت بوصفها فعل شفاء ودواءً للجراح.



ملصق المسرحية



*"البيت بيتك" - كتابة وإخراج سامر حنا - بطولة ألين لحود، طوني أبو جودة، مايا يمّين، ماريا بشارة، وسامر حنا - على "مسرح المونو" - الأشرفية - الساعة 8:30 مساءً.