عشيّة الكلمة المقرّرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام منتدى دافوس الاقتصادي، تصاعد التوتر بين بلاده والدول الأوروبية أمس حول نيته في الاستحواذ على غرينلاند، ما قد يؤثر على العلاقة التجارية بين الطرفين وعلى الدعم الغربي لأوكرانيا. وشارك الرئيس الأميركي، الذي احتفل بالذكرى الأولى لعودته إلى البيت الأبيض أمس، رسائل خاصة من نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون والأمين العام لحلف "الناتو" مارك روته حول غرينلاند على منصّته "تروث سوشال"، حيث جاء في رسالة ماكرون أنه "لا أفهم ما الذي تفعله في شأن غرينلاند"، فيما أكد ترامب أنه أجرى اتصالًا هاتفيًا مع روته حول غرينلاند واتفقا على عقد اجتماع للأطراف المعنيّة في دافوس.
ونشر ترامب صورة معدّلة بواسطة الذكاء الاصطناعي تُظهره يتحدّث إلى زعماء أوروبيين في المكتب البيضوي، مع خريطة لنصف الكرة الغربي في الخلفية، وقد جرى وضع العلم الأميركي فوق أميركا وكندا وفنزويلا وغرينلاند. وشرح ترامب لصحيفة "نيويورك بوست" أنه نشر رسائل نصيّة خاصة من ماكرون وروته لأنها "دعمت وجهة نظري تمامًا، كانوا يقولون حسنًا، دعنا نتناول العشاء، دعنا نفعل هذا، دعنا نفعل ذاك، لقد دعم ذلك وجهة نظري"، في حين كان ترامب قد هدّد بفرض رسوم جمركية اعتبارًا من 1 شباط على ثماني دول أوروبية معارضة لمحاولته الاستحواذ على غرينلاند، ما دفع البرلمان الأوروبي إلى تعليق عملية المصادقة على الاتفاق التجاري الذي توصّل الاتحاد الأوروبي وأميركا إليه العام الماضي.
توازيًا، حسم ماكرون خلال كلمته في دافوس أن أوروبا لن تستسلم أمام المتنمّرين أو ترضخ للترهيب، جازمًا بأن فرنسا وأوروبا لن "تقبلا بقانون الأقوى". وأكد أن أوروبا ستواصل الدفاع عن سلامة الأراضي وسيادة القانون، رغم ما وصفه بالتحوّل نحو عالم بلا قواعد، لافتًا إلى أنه لا يخطط للتحدّث مع ترامب في دافوس، كما انتقد "ظهور الطموحات الإمبريالية" مجدّدًا. وأكد وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو أن باريس تؤيّد تعليق اتفاق التجارة بين الاتحاد الأوروبي وأميركا، مشيرًا إلى أن المفوّضية الأوروبية لديها "أدوات قويّة جدًا" للردّ على تهديد ترامب، في وقت عبّر فيه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت عن ثقته في أن الحكومات الأوروبية لن "تصعّد" التوتر مع أميركا.
في هذا الإطار، شدّدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال كلمتها في دافوس، على الحاجة إلى بناء "شكل جديد من الاستقلال الأوروبي"، موضحة أن الاستقلال أصبح ضروريًا نتيجة لـ "الصدمات الجيوسياسية" الحالية. وأكّدت أهمية إبرام اتفاقات تجارية مع دول أخرى، والتحالفات الدولية، مشيرة إلى اتفاق تجاريّ حديث بين أوروبا وكتلة "ميركوسور" التجارية الأميركية الجنوبية والذي "يرسل رسالة قوية إلى العالم، أننا نختار التجارة العادلة بدلًا من الرسوم الجمركية، والشراكة بدلًا من العزلة… ولهذا السبب لن نتوقف عند أميركا اللاتينية".
ومن كوبنهاغن، أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسن أنها لن ترضخ لمطالب ترامب، حاسمة أنه "لن أتخلّى عن غرينلاند". وتحدّثت عن أن "الرئيس الأميركي لم يستبعد للأسف استخدام القوة العسكرية، وبالتالي لا يمكن لنا أن نستبعد ذلك أيضًا"، في حين أفاد مسؤولان أميركيان لصحيفة "نيويورك تايمز" بأن مخططي البنتاغون يستعدّون لكافة الاحتمالات العسكرية، لكنهم لم يُوجَّهوا بعد بالتخطيط لغزو غرينلاند أو للتعامل مع تبعات مثل هذه العملية.
في الغضون، رأى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن غرينلاند ليست "جزءًا طبيعيًا" من الدنمارك، معتبرًا أن مشكلة الأقاليم الاستعمارية السابقة أصبحت أكثر حدّة. وادّعى أن روسيا ليست لديها مصلحة في التدخل في شؤون غرينلاند، وأن واشنطن تعلم أن موسكو لا تعتزم السيطرة على الجزيرة، لافتًا إلى أن الانقسام حول غرينلاند يهدّد "استمرار وجود "الناتو" ككتلة موحّدة".
في المقابل، أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي "احترامه" سيادة غرينلاند. واعترف بأنه "قلق في شأن أي تشتيت" عن الحرب الروسية على أوكرانيا، فيما كشف أن أكثر من مليون منزل في كييف تُركت من دون كهرباء بعد أحدث الضربات الروسية على العاصمة، حاضًا الدول المشاركة في دافوس على دعم أوكرانيا من خلال حِزم مساعدات.
على صعيد آخر، انتقد ترامب اتفاقًا أبرمته بريطانيا للتنازل عن سيادتها على أرخبيل تشاغوس، الذي يضمّ جزيرة دييغو غارسيا التي تضمّ قاعدة جوية أميركية - بريطانية مهمة، إلى موريشيوس، واصفًا ذلك بأنه عمل ينمّ عن "ضعف تام" و "حماقة بالغة"، بينما شدّدت لندن على أن الاتفاق أُبرم خصوصًا لأسباب تتعلّق بالأمن القومي. وذكرت موريشيوس أنها "أخذت علمًا" بتصريح ترامب، حاسمة أن "سيادة جمهورية موريشيوس على أرخبيل تشاغوس معترف بها بالفعل من دون أي لبس بموجب القانون الدولي، ولا ينبغي أن تكون موضوعًا للنقاش بعد الآن".