خضر نجدي

خطر المواجهة الاجتماعية في لبنان يتقدم على المواجهة العسكرية المرتقبة... والكلفة مضاعفة ومدمرة                                    

5 دقائق للقراءة

بينما ينشغل أركان الدولة بكافة المواقع، بدءًا من رئيسها حتى آخر مسؤول فيها، لتجنب ويلات تطور الأوضاع العسكرية مع العدو الاسرائيلي، من خلال نزع الذرائع، وتقديم مقاربات تحمي الاستقرار العام، وتستجلب الاستثمارات الخارجية والداخلية. يتسلل إلى المجتمع اللبناني عدو أخطر بمرات من العدو الخارجي، خصوصًا وأن عناصر تراكم قوة هذا العدو، بدأت مع الانهيار المالي عام 2019، وما زالت مستمرة حتى الآن، دون دراية من المسؤولين. وخصوصا أيضا أن جيش هذا العدو يتكون من أبناء الدولة في القطاع العام بأسلاكه المدنية والتعليمية والعسكرية والمتقاعدين. فيعيش القطاع العام ومتقاعدوه في هذه الأيام، حالة من الاختناق غير المسبوق، في ظل تآكل عميق للقدرة الشرائية لما تبقى من دخل، خسر أكثر من 60% من قيمته على ما كان عليه عام 2019 ، فضلا عن مزيد من التآكل نتيجة ارتفاع الأسعار، وتفلت التجار من أية رقابة أو محاسبة. حيت وصل الموظفون والمتقاعدون المقدر عددهم ب 300 الف موظف ومتقاعد إلى مرحلة لم يعد معها الصمود خيارًا متاحًا، رغم الاستعانة بالتحويلات الآتية من الأبناء في الخارج.

وإذا كان أركان الدولة الحالية جادين في تلافي خطر العدو الاجتماعي، عليهم أولا الإسراع بترميم العقد الاجتماعي، والذهاب مباشرة الى إقفال مزاريب الجمارك، والضريبة، والأملاك العامة، والأملاك البحرية والنهرية، والانترنت، وغيرها، التي من شأنها تأمين أضعاف زيادة الرواتب بشكل دائم. لأن المواجهة الداهمة مع القطاع العام لم تعد مجرد احتمال بل أصبحت لا تحتمل شراء الوقت وطلب الصبر من المواطنيين. وإن المطلوب ليس مستحيلا مع التوجهات الجديدة للدولة، المعبر عنها في التصريحات اليومية، وهي في المتناول إذا ما توفرت العزيمة، على استرجاع مليارات الدولارات الضائعة في جيوب أركان الدولة العميقة، وذلك هو التحدي الأكبر .

فالدولة تدخل في سباق مع الزمن ليس فقط لتأمين استمرارية المرفق العام بل لتجنب الانفجار الاجتماعي الذي هو  العنوان العريض الذي يجب أن يتقدم على كل الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية والتربوية. لأن مواجهة هذا الانفجار أخطر بكثير من أي مواجهة عسكرية، فهي مواجهة الجوع والتهميش التي لا تضبطها حدود، ولا تحكمها توازنات القوى التقليدية. فبينما تئن خزينة الدولة ويُحرم الموظف والمتقاعد من أبسط حقوق العيش، تكشف الأرقام والوقائع الاقتصادية عن وجود ثروات هائلة "مهملة" أو "منهوبة" بسبب المحسوبيات والفساد. وربما تعدادها يسعف المسؤولين في الالتفات اليها سريعًا كونها تحت القدرة، ولا تستلزم سوى تنفيذ القرارات فقط.

صندوق المليارات الضائعة

الفجوة الجمركية والتهرب الضريبي: تشير التقديرات الى أن تفعيل التحصيل والنزاهة، وربط عملية الاستيراد ضمن نظام التسجيل المباشر مع الشركات عبر الانترنت كفيل بتأمين 1.5 مليار دولار إضافية، مع  العلم الدولة تحصل فقط 1.6 مليار دولار كإيرادات جمركية من حجم استيراد يبلغ 20 مليار دولار.

ضريبة القيمة المضافة: تؤكد التقديرات الاقتصادية أن 2 مليار دولار، تضيع في السوق اللبناني، لأن المؤسسات تجبي هذه الضريبة، ولا تسددها الى وزارة المالية، نتيجة غياب الرقابة وعدم اعتماد نظام يمكنه الحد من التهرب، وأن هناك 80% من ايرادات هذه الضريبة تأتي من الاستيراد فقط، وهذا خلل بنيوي فاضح.

الأملاك البحرية والنهرية: وغالبيتها تستثمر من قبل السياسيين والمحسوبين، وتقدر الرسوم الضائعة في هذا المرفق العام حوالي 1.5 و1.8 مليار دولار.

المرامل والكسارات: فقد كشفت وزارة البيئة عن وجود اكثر من 1500 عقار تقدر أوامر التحصيل منها بأكثر من مليار دولار يمكن تحصيل 200 مليون دولار منها سنويًا عبر التقسيط.

أصول الدولة: وادارتها بطريقة أكثر كفاءة من خلال إنشاء هيئة مستقلة لإدارة المؤسسات والشركات المملوكة من الدولة، بعيدًا عن المحسوبية والاستزلام، ما يؤمن اكثر من 2 مليار دولار إضافي.

ولا يتوقف صندوق المليارات عند تحصيل الرسوم والضرائب، بل يضم تأجير الأملاك العامة بأسعار تثير الريبة، وتحرم خزينة الدولة عدة مليارات ومن ابرز هذه الأملاك، نادي الغولف، أملاك سكك الحديد، الواجهة البحرية ، وهي عقارات تساوي مليارات الدولارات

إن هذه الأرقام المقدرة بحوالي 7 مليارات دولار إضافية، تثبت أن تكلفة زيادة أجور القطاع العام والمتقاعدين التي تقدر 2.5 مليار دولار سنويًا، والتي تُعتبر صمام أمان لمنع الانفجار، هي كلفة "مقدور عليها" إذا ما استعادت الدولة هيبتها في هذه القطاعات الستة. والحقيقة التي يجب أن يفهمها أركان الدولة، أن المواجهة الاجتماعية أخطر بعشرات المرات من تحدي التصدي لانتهاكات العدو الاسرائيلي، وبسط سلطة الدولة على كامل الاراضي، وحصرية قرارات الحرب والسلم بيد الدولة وحدها، وربما تفكيك العدو الاجتماعي يساعد في تسهيل مهمة الدولة في التحدي المشار اليه، والمال اللازم لتجنبها ليس في جيوب الناس، بل في جيوب المتهربين والمفسدين. وهي في المتناول.

كاتب وباحث اجتماعي