الدكتور سايد حرقص

هل يطبّق ترامب "النموذج اللبناني" على أميركا اللاتينية؟

3 دقائق للقراءة

​لم يعد "النموذج اللبناني" مجرد حكاية محلية تخص دولة صغيرة على هامش الجغرافيا السياسية، بل بات نموذجًا قابلاً للتكرار كلما عجزت دولة ما عن مواجهة قوة مسلحة غير شرعية على أراضيها، فاختارت التعايش معها إلى أن يأتي الضغط الخارجي ويفرض التغيير.

​اليوم، ومع تصعيد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لهجته ضد عصابات المخدرات في أميركا اللاتينية، يبرز السؤال بوضوح: هل يعيد ترامب إنتاج "النموذج اللبناني" ولكن على نطاق قارة بأكملها؟

​منذ تطبيق اتفاق الطائف، تعايشت الدولة اللبنانية مع سلاح "حزب الله" لأسباب داخلية وخارجية متعددة ومعقدة. وبدلاً من العمل على تفكيك هذه الحالة، إعتادت الدولة وجودها حتى تحولت من ميليشيا صغيرة الى أخطبوط سرطاني يشل الدولة ويمتص خيراتها. ثلاثة عقود من التعايش القسري حوّلت الاستثناء إلى قاعدة، والخطر إلى "أمر واقع".

​بعد "حرب الإسناد"، بدأت الدولة تتحرك بحذر، ولكن عند الضرورة القصوى فقط؛ وتحديداً عندما تشتد الضغوط الإسرائيلية أو عندما يقترب شبح الحرب الشاملة. عندها فقط، يتحرك الجيش اللبناني عبر مداهمات محدودة وإجراءات ظرفية، لا تهدف إلى إستعادة القرار السيادي بقدر ما تهدف إلى تفادي إجتياح أو ضربة كبرى. هكذا تُدار السيادة في لبنان: لا تُمارَس.. بل تُؤجَّل.

​في دول عدة من أميركا اللاتينية، لا يبدو المشهد مختلفاً كثيراً؛ فعصابات المخدرات تسيطر على مساحات شاسعة، وتمتلك ترسانات عسكرية، وتخترق الأوساط السياسية لفرض قوانينها الخاصة. الطبقة الحاكمة هناك تدرك ذلك، لكنها تساير وتفاوض ضمنياً وتؤجل المواجهة، مُتعاملةً مع الكارتيلات كجزء "طبيعي" من المشهد، تماماً كما اعتادت الدولة اللبنانية على سلاح حزب الله.

​مع الإجراءات الجديدة التي اتخذها الرئيس ترامب ضد فنزويلا، والتي بلغت ذروتها باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، دخلت القارة الأميركية زمناً جديداً. فالرئيس الأميركي لا يرى في الكارتيلات مشكلة محلية، بل تهديداً مباشراً للأمن القومي والاقتصاد الأميركيين.

​بناءً على ذلك، تغيرت اللغة السياسية الأميركية إلى التهديد بضربات عسكرية مباشرة والحديث عن عمليات أمنية عابرة للحدود بالاضافة الى ​ربط ملف المخدرات بالإرهاب والهجرة غير الشرعية.

​هنا يبدأ "المشهد اللبناني" بالتكرار؛ حيث تتحرك دول أميركا اللاتينية تحت وطأة التهديد، لا انطلاقاً من قناعة وطنية باستعادة السيادة. الحقيقة الواضحة هي أن هذه الدول لم تستعد شجاعتها فجأة، بل تحركت خشية التدخل الأميركي المباشر. وكما تتحرك السلطة في لبنان خوفاً من اجتياح إسرائيلي، تتحرك تلك الدول خوفاً من ضربة أميركية أوسع.

​في لبنان وأميركا اللاتينية، المعادلة واحدة: قوةٌ مسلّحة تتفوّق على الدولة، وسلطةٌ تتعايش معها، وسيادةٌ معلّقة، وقرارٌ لا يُتَّخذ إلا تحت ضغطٍ مفرط. من هنا، يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يخلق هذا النموذج، بل يكشف هشاشته ويستغلّها.

​ويبقى السؤال الأكثر خطورة: هل تؤدي هذه الضغوط إلى استعادة فعلية لسيادة الدول؟ أم أنها تكرّس نموذجاً عالمياً جديداً يشبه "التلميذ الكسول" في مدرسة " تحت السنديانة"، لا يحفظ درسه إلا إذا لوّح المعلم بـ "عصا السنديان" الموجعة؟ وهل سنشهد عالماً لا تتحرك فيه الدول لحفظ سيادتها إلا تحت تهديد الضرب والاجتياح؟