عند مناقشة مسألة تمدّد حزبالا الجغرافيّ في الأراضي اللّبنانيّة، فضلًا عن خطاب التّفوّقيّة الشّيعيّة، لا يمكن التّغاضي عن الفكر المحرّك لهذه السّلوكيّات. فمن يراجع كتب التّاريخ التّنقيحيّة أو المؤلّفات السّياسيّة التي وضعها كتّابٌ شيعةٌ مثل محمّد مهدي شمس الدين، أو منذر جابر، أو حتّى مهدي عامل، سيلاحظ اتّساقًا أيديولوجيًّا، على الرّغم من اختلاف المهنة أو الانتماء السّياسيّ (محمد شمس الدين شيخٌ واتّجاهه إسلامويٌّ حداثيٌّ؛ جابر مؤرّخٌ وأقرب إلى العائلات السّياسيّة الشّيعيّة التّقليديّة؛ مهدي عامل مفكّرٌ شيوعيٌّ). فالتّناغم الأيديولوجيّ العابر للالتزام الحزبيّ والدّينيّ بات يشكّل اليوم أساس الوعي الشّيعيّ في لبنان، ويبدو أنّ ركائزه خليطٌ من الآراء التّنقيحيّة للتّاريخ اللّبنانيّ والتّصوّرات الماورائيّة للمجتمع الشّيعيّ وغايته. ويكمن تأصيل هذه الرّكائز في فلسفاتٍ معاديةٍ للفكر اللّيبراليّ، وهنا تبرز خطورتها؛ لأنّها بشكلٍ أو بآخر تكوّن ما يمكن وصفه بالفكر الإباديّ.
لعلّ الرّكيزة الأولى لهذا الفكر تتمثّل بالتّنقيحيّة التّاريخيّة "historical revisionism". والحقّ أنّ هذه المقاربة التّنقيحيّة تمتلك من العناصر ما يكفي لفهم الوعي الكامن خلف سلوكيّات حزب الله وحركة أمل بوصفهما التّجسيد السّياسيّ له: المسيحيّون توسّعوا في أراضي "شيعيّةٍ" في كسروان (ويلزم عن ذلك أنّهم "مستوطنون" وليسوا "أهل الأرض")؛ المسيحيّون تعاملوا مع "المستعمر الفرنسيّ" و"القوى الإمبرياليّة" و"العدوّ الصّهيونيّ" (وتاليًا هم "خونة الأمّة")؛ المسيحيّون هم بقايا "الاحتلال الصّليبيّ"، وسواها من الافتراضات اللّاتاريخيّة أو القراءات الطّائفيّة للتّاريخ. وتبرز هذه الافتراضات المسبقة في سياق المصطلحات المستخدمة في عمليّة فعل التّأريخ، إذ تحمل أحكامًا مسبقةً تحت ستار المنهجيّة العلميّة، مثل كتاب منذر جابر "مؤتمر وادي الحجير وآثاره" (هاشيت-أنطوان: 2023)، حيث يعمد فيه إلى وسم العصابات الشّيعيّة (كعصابة صادق الحمزة، وأدهم خنجر، ومحمود الأحمد بزّي) بـ"العصابات الوطنيّة" التي كانت "تعبيرًا عن الشّعور العامّ لدى العامليّين تجاه الاحتلال الفرنسيّ" (ص 87-90). بينما يكتفي بتوصيف الفرق المسيحيّة المسلّحة بـ"العصابات المسيحيّة" التي أوجدتها فرنسا "لتسعير الشّعور الطّائفيّ" (ص 91). واستخدام جابر لمصطلح "الوطنيّة" وإسقاطه على حركةٍ شيعيّةٍ محضةٍ في جبل عامل هو بحدّ ذاته حكمٌ تمييزيٌّ يجيز عنفًا طائفيًّا بوساطة وسمه وطنيًّا. ولا
حاجةَ إلى تحليلٍ سيميائيٍّ لمعرفة دلالة ثنائيّة "الوطنيّ-الطّائفيّ" في الخطاب الذي يشير تلقائيًّا إلى فعل تغريبٍ للآخر "othering"، وتحديدًا تغريب الجماعة المسيحيّة.
أمّا الرّكيزة الثّانية لهذا الفكر الإباديّ فتتمثّل بالكراهية الطّبقيّة-الطّائفيّة، وخير من يمثّلها هو مهدي عامل، خصوصًا في كتابه "في الدّولة الطّائفيّة" (دار الفارابي: ط 3، 2003). يهاجم عامل ما يسمّيه "التّعريف الشّيحاويّ" للطّائفة بوصفها "كيانًا اجتماعيًّا قائمًا بذاته، متماسكًا بلحمته الدّاخليّة عميق الجذور في وجوده حتّى يكاد في حاضره ما كان، قبل، في ماضيه متكرّرًا بلا تغييرٍ." (ص 20). وسبب اختياره ميشال شيحا اللّبنانويّ هو شيوع هذا التّعريف حتّى بين الماركسيّين أنفسهم (ص 19). ولكنْ هنا تبرز الفجوة "الإسقاطيّة" في النّقد "الماركسيّ" الذي يعتمده عامل؛ فعامل لا يرى في الآخر جماعةً ثقافيّةً قائمةً بذاتها، بل طبقةً مصطنعةً أوجدها النّظام والقوى "الكولونياليّة" (علمًا أنّ نظام الملل، بل حتّى التّراتبيّة الطّائفيّة، في المنطقة يسبق بقرونٍ الانتداب الفرنسيّ، أقلّه إذا توقّفنا عند حدود العصر الحديث)، وضمنًا يسهل قلعها بتغيير النّظام السّياسيّ اللّيبراليّ إلى نظامٍ ماركسيٍّ. وفي هذا السّياق يمكن فهم حاجة عامل إلى إعادة تعريف الطّائفة، وذلك كيلا يسقط في التّهمة التي أطلقها على أعدائه: الطّائفيّة. والحقّ أنّ انتقاد التّعريف "الشّيحاويّ" ليس أمرًا جديدًا (أو محرّمًا)، بل إنّه عنصرٌ أساسيٌّ في التّفكّر الفلسفيّ في الواقع اللّبنانيّ؛ وإذا أردنا نقده لقلنا أنّ شيحا نفسه يَسقطُ في مغالطة "الماهيّويّة" "essentialism"، أي يسلّم بأنّ الطّائفة كيانٌ لم يتغيّر عبر العصور. بيد أنّ عامل لا يكتفي بالإشارة إلى هذه المغالطة، بل يتجاهل الوقائع الاجتماعيّة المادّيّة الثّقافيّة في ظاهرة الطّائفة وينبذها تمامًا، ويستعيض عنها بتعريفٍ طبقيٍّ "اختزاليٍّ" يجيز له تبرير ما سيُعرف لاحقًا بـ"المظلوميّة الشّيعيّة" التي باتت شعار أيّ حركةٍ شيعيّةٍ سياسيّةٍ: حركة أمل (المحرومين)، وحزب الله، وحركات المجتمع المدنيّ ذات الخلفيّة الشّيعيّة التي تتجاهل السّلاح الحزبالاويّ وتركّز على الفساد (علمًا أنّ الفساد هو من النّتائج الطّبيعيّة لسيطرة فئةٍ أصوليّةٍ بسلاحها على المؤسّسات الرّسميّة).
هكذا نكون قد بلغنا الرّكيزة الثّالثة في الفكر الإباديّ الشّيعيّ: الآخرويّة الثّورويّة "revolutionary eschatology". فالأفكار الآخرويّة كانت الباعث خلف العديد من الجرائم ضدّ الشّعوب التي تبنّتها أوّلًا وتلك التي عارضتها ثانيًا، على سبيل المثال: البدع الدّينيّة الحديثة التي خرجت من التيّارات المسيحيّة البروتستانتيّة أولت أهمّيّةً خاصّةً لسفر الرّؤيا في العهد الجديد، بل بًنيت عقيدتها على تأويلٍ شخصيٍّ لنصوص هذا السّفر، مثل بدعة بوّابة السّماء "Heavens’ Gate" التي انتهت بانتحارٍ جماعيٍّ لمعظم أتباعها. أمّا الآخرويّة الشّيعيّة فقوامها الاستعداد لظهور المهديّ الذي وفق التّعبير الشّائع "سيملأ الأرض عدلًا وقسطًا"، وهذا الاستعداد يكون
عسكريًّا باعتبار كلّ معركةٍ أو حربٍ هي كربلاء بالضّرورة، وكلّ صراعٍ سياسيٍّ يُختزل بثنائيّة "الحسين/يزيد"، ما يعني بديهيًّا إلحاق المقدَّس بفعل القتل الطّائفيّ وتصويره فعلًا حسنًا أخلاقيًّا. ولكنْ ثمّة بعدٌ آخر في الفكر الآخرويّ الشّيعيّ، وهو طابعه الثّورويّ، ولا أعني بذلك استخدام مصطلحات "محاربة الكولونياليّة" أو "مقاومة الاستكبار الأمريكيّ". هذا هو المستوى اللّفظيّ/السّطحيّ للثورويّين الأصوليّين؛ لأنّ ثورويّتهم تكمن في تصوّرهم السّياسيّ للمجتمع، عنيت تصوّر لبنان مجتمعًا إسلاميًّا شيعيًّا. وفي هذا السّياق يبرز محمّد مهدي شمس الدّين، ليس بصفته ثورويًّا كربلائيًّا أو حزبالاويًّا، بل فقيهًا حاول التّوفيق بين هذا التّصوّر الإسلاميّ الشّيعيّ للمجتمع والواقع التّعدّديّ اللّبنانيّ، فأعلن صراحةً في مقدّمة "في الاجتماع السّياسيّ الإسلاميّ" (مكتبة الاسكندريّة: 2012): "فكما أنّ المجتمع السّياسيّ (البريطانيّ)، أو (الأمريكيّ) مثلًا، أو غيرهما، لا بُدّ أنْ يكون له نظام حكمٍ وحكومةٍ، يمكن أنْ تكون تارّةً اشتراكيّةً عُمّاليّةً، وأخرى رأسماليّةً محافظةً، مع التزام المجتمع في تكوينه ونهجه العامّ بالدّيمقراطيّة التي تلتزم باحترام قواعدها وأصولها كلّ حكومةٍ تتولّى السّلطة، فكذلك المجتمع السّياسيّ الإسلاميّ يمكن أنْ يستمرّ مسلمًا في تكوينه ونهجه العامّ، ويكون قابلًا لأي نظامٍ لا يتنافى مع الإسلام باعتباره عقيدة المجتمع، دون أنْ يكون نظام الحكم إسلاميًّا، فالمهمّ هو استمرار الإسلام في الأمّة، واستمرار الأمّة مسلمة موحّدة." (ص 11) الفكرتان الرّئيستان في كلام شمس الدّين هما: الدّيمقراطيّة (التي لا تتنافى مع الإسلام، أي الدّيمقراطيّة العدديّة)، واستمرار الإسلام (اشتراط الطّابع الهويّاتيّ-الطّائفيّ المحدّد للمجتمع والفرد فيه). لقد أصّل شمس الدّين مفهوم الدّيمقراطيّة بفهوم الشّورى الإسلاميّ. وعلى الرَّغم من الصّفة الحداثيّة لهذا التّأصيل، فالدّيمقراطيّة وحدها مشروع أوتوقراطيٌّ، بل إباديٌّ في المجتمعات الإسلاميّة، ما لم تصحبها اللّيبراليّة بمفهومها المعاصر للتّسامح (الذي يختلف عن التّعريف الإسلاميّ الفقهيّ والتّاريخيّ له). وخلافًا لما يُشاع، اتُّخذ الكثير من المشاريع الإباديّة ديمقراطيًّا: إبادة السّكّان الأصليّين في أميركا، المحرقة اليهوديّة في ألمانيا، وغيرهما من القرارات التّطهيريّة التي صوّتت عليها غالبيّة الشّعب، أو أقلّه ناصرتها. إنّ نهج شمس الدّين التّوفيقيّ بين التّراث الفكريّ الإسلاميّ للحكم والنّظام الدّيمقراطيّ اللّيبراليّ يسقط حالما يُقيّد بشروط الإسلام؛ فاللّيبراليّة ارتكزت على خروج الدّين المسيحيّ من نظريّة الحكم (أو إخراجه كما في فرنسا)، وهو ما فتح مجالًا أمام الجماعات أو الإثنيّات المختلفة من ممارسة حقوقها السّياسيّة بدون تمييزٍ. صحيحٌ أنّ نظام الحكم وفق شمس الدّين لا يجب أنْ يكون إسلاميًّا بالضّرورةَ، لكنّ اعتماده ديمقراطيّة الشّورى المشترطة بإسلاميّة المجتمع سيجعلانه إسلاميًّا بالضّرورة، وتاليًا سيهمّش الاختلاف ويفرض الامتثال.
وفي هذا السّياق يمكننا استخلاص سبب انحصار اللّيبراليّة في العالم الإسلاميّ مقابل شيوع الحركات الاشتراكيّة أو الشّيوعيّة؛ إذ يتشابه الإسلاميّون والثّورويّون الكربلائيّون مع الشّيوعيّين: تصوّرٌ رومنطيقيٌّ للمجتمع (مجتمعٌ إسلاميٌّ حسينيٌّ؛ مجتمعٌ اشتراكيٌّ بلا طبقاتٍ)، وهذا التّصوّر تحقيقه محتومٌ (إمّا بسبب مشيئةٍ ماورائيّةٍ كالإله الإسلاميّ؛ إمّا بسبب الجدليّة المادّيّة المحرّكة للتّاريخ). بينما متطلّبات اللّيبراليّة تفرض مراجعاتٍ نقديّةً للتّراث الإسلاميّ، وهو أمرٌ غير مستحبٍّ، بل دمويٌّ أحيانًا.
هكذا نكون أمام عناصرَ تآلفت كلّها لتشكيل حركة الوعي الشّيعيّ في لبنان: من مجتمعٍ يتطارح الأفكار نقديًّا بما يناسب هويّته الثّقافيّة إلى مجتمعٍ ذي تصوّرٍ أحاديٍّ هويّاتيٍّ، ومن سرديّةٍ سياسيّةٍ قابلةٍ للنّقد إلى ميتافزيقيا خلاصٍ مغلقةٍ تشرعن الإقصاء والعنف. إنّ هذا الوعي، بما يحمله من تنقيحيّةٍ تاريخيّةٍ، واختزالٍ طبقيٍّ طائفيٍّ، وآخرويّةٍ ثورويّةٍ، لا يهدّد الجماعات اللّبنانيّة الأخرى فحسب، بل يقوّض إمكانيّة بناء مجتمعٍ سياسيٍّ حديثٍ في البيئة الشّيعيّة نفسها؛ لأنّه يصادر التّعدّد في الدّاخل قبل إقصائه في الخارج. لذلك لا يمكن تجاوز هذا الوعي بمقارباتٍ تسوويّةٍ ظرفيّةٍ (مثل تبنّي السّلطة شعار "الطّائفة المجروحة") أو محتومةٍ فشلها (مثل رفع بعض السّياديّين شعار "لبننة حزب الله")، بل بنقدٍ فلسفيٍّ شاملٍ لمسلّماته قد يؤدّي إلى مراجعةٍ ذاتيّةٍ في الوعي الشّيعيّ، وإلمامٍ بحجم خطره على المجتمعات الأخرى.