لا يمكن التعامل مع رواية "جهانكشاي صاحب الديوان والحشاش" للكاتب السوداني زياد مبارك، بوصفها رواية تاريخية بالمعنى المألوف، ولا باعتبارها استعادة تخيُّليّة لحقبة مغولية دامية في القرن السابع الهجري. بل إن هذا النص يتقدّم خطوة أبعد من ذلك، إذ يحوّل التاريخ من مادة للسرد إلى مادة للمساءلة، ويضع فعل الكتابة نفسه تحت المجهر. الرواية الصادرة عن "دار نوفل هاشيت - أنطوان" في أيلول 2025، لا تسأل عمّا حدث فقط، بل عن الكيفية التي كُتب بها ما حدث، وعن الأصوات التي سُمح لها بالنجاة، وتلك التي أُغرقت في الصمت كما أُغرقت الكتب في دجلة.
تنفتح الرواية على زمن شديد الاضطراب: المشرق الإسلامي قبيل الاجتياح المغولي، انهيار القلاع، تآكل السلطة، ثم السقوط المدوّي لبغداد. غير أن هذا الإطار التاريخي ليس سوى خلفية لأسئلة أعمق تتعلّق بالعنف، والذنب، والسلطة، والذاكرة، ومسؤولية المثقف، وحدود التوبة، ومعنى أن ينجو الإنسان جسديًا بينما يغرق أخلاقيًا.
بنية تتحدّى الطمأنينة
منذ الصفحات الأولى، تُعلن الرواية تمرّدها على فكرة السرد الواحد، جماعة تلتقي وتقرّر أن تُكتب روايتها، لا بوصفها شهادة متفقًا عليها، بل بوصفها مساحة صراع بين أصوات متعدّدة، بعضها صادق، وبعضها مراوغ، وبعضها مشكوك في نواياه. هذه البنية ليست اختيارًا شكليًا، بل هي موقف معرفي واضح، إذ لا حقيقة واحدة في التاريخ، بل روايات تُنتجها القوة، وتُقصي بها الضعفاء.
الراوي العليم نفسه، لا يبدو مطمئنًا أو محايدًا بل أقرب إلى شاهد متورّط، يراقب ويتدخل ويصمت حين ينبغي أن يتكلّم. هكذا، يجد القارئ نفسه داخل نصّ قلِق، متشظٍ، يرفض أن يمنحه متعة السرد السلس، ويفرض عليه بدلًا من ذلك شراكة ثقيلة في الأسئلة.
الضمير الذي استيقظ متأخرًا
في قلب الرواية تقف شخصية جوتيار الكردي، بوصفها واحدة من أكثر الشخصيات إرباكًا أخلاقيًا. هو حشاش سابق، قاتل مأجور، مارس العنف بلا سؤال ولا تردّد، ثم وجد نفسه، فجأة، في مواجهة ضمير لم يعد يقبل الصمت. جوتيار أخرس، لكن صمته الجسدي يقابله صخب داخلي لا ينتهي. الصوت الحقيقي في الرواية هو صوت الذنب، ذلك الصوت الذي لا يسمح له بالراحة، ولا يمنحه وهم الخلاص.
تحوُّل جوتيار إلى زارع أعشاب طبيّة يبدو للوهلة الأولى مسار توبة، لكنه في الحقيقة مفارقة قاسية، فاليد التي قتلت تحاول الآن أن تشفي، من دون أن يقدّم النص أي ضمانة أخلاقية لهذا التحوّل. لا تمنح الرواية بطلها غفرانًا، ولا تطلب من القارئ التعاطف معه، بل تُبقي السؤال مفتوحًا: هل يمكن للندم المتأخر أن يكفر عن الدم؟ أم أن بعض الجرائم لا تُمحى، بل تُحمل إلى النهاية؟
الصوت الداخلي الذي يطارده يرفض التسوية، وكأن النص يصرّ على أن الاعتراف لا يعني التطهّر، وأن الصمت حين يأتي بعد العنف، قد يكون شكلًا آخر من أشكال العقاب.
العنف في قناع الإدارة
في الجهة المقابلة، تقف شخصية علاء الدين عطا ملك الجويني، المؤرخ وصاحب الديوان، الذي كتب "تاريخ جهانكشاي" من موقع القرب من السُّلطة. اختيار زياد مبارك إدخال الجويني إلى قلب الرواية، لا بوصفه مرجعًا تاريخيًا بل بوصفه شخصية محاصرة، خطوة دلالتها شديدة الأهمية. فالمؤرخ هنا ليس شاهدًا من علِ، بل إنسان عالق داخل ماكينة الحكم، يكتب وهو يعرف أن الكتابة نفسها قد تكون وسيلة نجاة أو أداة هلاك.
صاحب الديوان في الرواية، لا يمارس العنف بيده بل عبر القرار، والتوقيع، والتأجيل، والصمت. إنه نموذج للعنف البيروقراطي الذي لا يحتاج إلى سيف كي يقتل، بل إلى نظام مُحكم يوزّع الأدوار ويخفي المسؤولية. الرواية لا تقدّمه بوصفه شريرًا كاريكاتوريًا، بل بوصفه مثقفًا مأزومًا، يرى الخراب قادمًا ولا يملك سوى القلم، ذلك القلم الذي لا ينقذ صاحبه ولا أسرته من المصير نفسه.
هنا، تتحوّل الكتابة من فعل توثيق إلى فعل إدانة. التاريخ، كما تقترحه الرواية، ليس سجلًّا بريئًا، بل جهاز سلطة، يُنتج الرواية الرسمية ويطمس ما لا يخدمها.
القرية حيث تبدأ الكارثة
واحدة من أكثر طبقات الرواية ذكاءً، هي تركيزها على القرى الجبلية قبل سقوط بغداد. فالسقوط لا يبدأ في العاصمة، ولا مع الجيوش، بل في الأطراف، حيث يتسرّب الخوف ببطء، وحيث الشائعات تسبق السيوف. في هذه القرى، نرى رجالًا عاجزين عن القرار، ونساءً ممزقات بين الرحيل والبقاء، وأطفالًا لا يفهمون معنى ما يحدث لكنهم يشعرون بثقله.
بهذا الاختيار، يفكّك زياد مبارك مفهوم "النكبة الكبرى" إلى سلسلة من النكبات الصغيرة غير المكتوبة. التاريخ، كما نعرفه، يركّز على المدن والمعارك، لكن الرواية تعيد الاعتبار للهامش، وتُظهر كيف يُسحق الإنسان العادي قبل أن يُسجَّل الحدث في الكتب.
أرشيف الدم والحبر
نهر دجلة في "جهانكشاي" ليس مجرّد خلفية طبيعية، بل شاهد ومحكمة في آن. هو المكان الذي تختلط فيه الكتب بالجثث، والحبر بالدم، في صورة تختزل سقوط بغداد وسقوط المعنى معًا. النهر لا يطهّر ولا يغفر، بل يفضح. حين يتساوى الكتاب والإنسان في الغرق، تصبح الحضارة نفسها موضع شك. دجلة صامت، لكن صمته ليس حياديًا. إنه صمت الذاكرة التي لا تنسى، والتي تحمل آثار الجريمة حتى لو حاول التاريخ الرسمي محوها.
لغة مثقلة بالأسئلة
لغة الرواية كثيفة، طويلة النفس، أحيانًا مرهقة، لكنها ليست استعراضية. تتشابك الجملة، تتداخل، وتتعثر، وكأنها تحاكي ثقل التاريخ ذاته. هذا الاختيار الأسلوبي ليس ترفًا، بل ضرورة جمالية وأخلاقية. فالعالم المنهار لا يمكن كتابته بلغة مستقيمة أو مطمئنة. التنقل بين السرد التاريخي، والمونولوغ الداخلي، والوثيقة، والهذيان، يخلق نصًا متشظيًا، لكنه متماسك في منطقه الداخلي. والتشظي هنا يعكس واقعًا مكسورًا، ويؤكد أن أي محاولة لتقديم حكاية نظيفة عن هذا الزمن ستكون خيانة له.
مرآة للحاضر
رغم انغماسها في القرن السابع الهجري، تبدو "جهانكشاي" رواية معاصرة على نحو مقلق. أسئلتها عن العنف، والسلطة، وصمت المثقف، وكتابة التاريخ من موقع القوّة، كلّها أسئلة نعيشها اليوم بأشكال مختلفة. الرواية لا تقول هذا صراحة، لكنها تترك للقارئ أن يرى الشبه، وأن يشعر بعدم الارتياح. إنها رواية عن كيف يولد الطغيان من الإدارة لا من السيف وحده، وعن كيف يتحوّل الصمت إلى شراكة، وكيف يُعاد إنتاج الخراب باسم النظام، وعن حقيقة أن أحدًا لا يخرج بريئًا من العنف، لا الضحية ولا الجلاد. ما تفضحه الرواية ليس زمنًا بعينه، بل آلية تتكرّر كلما كُتب التاريخ من موقع القوّة.
"جهانكشاي صاحب الديوان والحشاش" رواية كثيفة لا تُقرأ على عجل، ولا تكافئ قارئها بالطمأنينة، لكنها رواية ضرورية لأنها ترفض أن تجعل التاريخ حكاية منتهية، وتصرّ على إبقائه جرحًا مفتوحًا. إنها لا تقدّم خلاصًا، ولا بطولات، ولا أجوبة سهلة، بل تُحسن طرح الأسئلة، وتتركها معلّقة بلا حل. وإذا كانت الرواية تقول شيئًا حاسمًا في النهاية، فهو أن ما لم يُكتب هو الحقيقة غالبًا، لكن ما كُتب ليس بريئًا أبدًا، وأن التاريخ مهما بدا بعيدًا، يظلّ حاضرًا ما دمنا نكتبه من دون مساءلة.
الكاتب في سطور زياد مبارك، كاتب ومهندس سوداني من مواليد الخرطوم عام 1983. هو مؤسِّس المجلّة الثقافيّة "مسارب أدبيّة"، ومؤسّس "منشورات عندليب للطباعة والنشر والتوزيع". صدرت له مجموعة قصصيّة بعنوان "الآخر"، وأُدرجَت روايته "جهانكشاي صاحب الديوان والحشاش" في القائمة الـ 18 لفئة الروايات التاريخية ضمن "جائزة كتارا 2024". |
