جو رحال

جوزاف عون هنا الدولة

4 دقائق للقراءة

ليست الحملات التي يتعرّض لها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون مجرّد تباين في الآراء أو سجال سياسي طبيعي، بل باتت في كثير من مفاصلها استهدافًا مباشرًا لموقع رئاسة الجمهورية ولدورها الدستوري، في لحظة لبنانية دقيقة لا تحتمل مزيدًا من الإضعاف المتعمّد لما تبقى من هيبة الدولة ومؤسساتها.

جوزاف عون لم يأتِ إلى رئاسة الجمهورية بوصفه رئيس مواجهة أو مشروع انقسام، بل رئيس دولة اختير على قاعدة إعادة الاعتبار للدستور، وحماية وحدة البلاد، وتثبيت مرجعية الدولة الواحدة. منذ اليوم الأول، رسم مسارًا واضحًا: دولة بمؤسساتها، وأمن بجيشها، وسيادة بقرارها. هذا المسار ليس خيارًا سياسيًا قابلاً للتأويل أو المساومة، بل جوهر القسَم الدستوري الذي أدّاه، ومسؤولية مباشرة تفرضها عليه صلاحياته ودوره.

ومع ذلك، تُواجَه هذه المقاربة بحملات تشكيك وتحريض، وكأن المطلوب من رئيس الجمهورية أن يكون شاهدًا صامتًا على خلل بنيوي يعرف الجميع أنه لم يعد قابلًا للاستمرار. يُراد له أن يساير، لا أن يحكم، وأن يغض الطرف عن ازدواجية قاتلة: دولة تُطالَب بالحماية والاحتواء والإعمار، فيما يُنزَع عنها القرار وتُقيَّد قدرتها على الفعل. أي منطق هذا الذي يحمّل الدولة كامل المسؤولية، ثم يمنعها من الإمساك بمفاتيح الحل؟

السؤال الذي يتجاهله أصحاب الخطاب الانفعالي واضح وبسيط: عند كل تصعيد إسرائيلي، من يُستدعى لاحتواء التداعيات؟ أليست الدولة؟ أليس الجيش اللبناني؟ وعند كل دمار، من يُطالَب بإعادة الإعمار وفتح القنوات الدولية وتحمّل الكلفة السياسية والاقتصادية؟ أليست المؤسسات الرسمية نفسها التي تُتهَم بالعجز وتُستهدف بالتخوين؟ هذه الازدواجية لم تعد مقنعة، ولا يمكن أن تشكّل أساسًا لبقاء وطن.

الأخطر من ذلك، أن هذا الخطاب يقدّم لجمهور لبناني واسع أوهامًا أثبتت التجربة فشلها. السلاح خارج الدولة لم يمنع حربًا، ولم يردع غارة، ولم يحمِ قرية. الذي يدفع الثمن دائمًا هم المدنيون، والبيوت، والاقتصاد، ومستقبل الأجيال. ومع ذلك، يُصوَّر كل تمسّك بالدولة على أنه استهداف، وكل دعوة إلى حصرية القرار والسلاح على أنها مؤامرة.

وللتاريخ، لم يكن الرئيس جوزاف عون يومًا خصمًا لأي مكوّن لبناني. في أحلك المراحل، كان صمّام أمان سياسي، امتصّ الضغوط، ومنع الانزلاق إلى الفتنة، وتحمّل ما لم يتحمّله غيره حفاظًا على الاستقرار. كثيرًا ما جرى تحميله أعباء التسويات واعتباره "كبش محرقة" لشراء الوقت وتدوير الزوايا، لكنه لم يبدّل قناعته بأن الدولة وحدها قادرة على حماية الجميع، بلا استثناء أو تمييز.

من هنا، تبرز ضرورة الفصل بين جمهور لبناني متجذر في هذه الأرض وقدّم تضحيات جسيمة، وبين خطاب سياسي يدفع بهذا الجمهور اليوم إلى مواجهة خاسرة مع الدولة ومع المستقبل. كثر من هؤلاء المناصرين ليسوا شركاء في القرار، بل ضحايا تعبئة دائمة تقوم على الخوف والتجييش، وتضعهم في موقع التصادم مع ما يفترض أن يكون مظلّتهم الأولى: الدولة.

أما في البعد الإقليمي والدولي، فالصورة لم تعد ملتبسة. لبنان لن يحظى بالدعم ولا بالاستقرار ولا بفرص النهوض الاقتصادي، إلا بقدر ما يثبت أنه دولة واحدة بقرار واحد. دعم الجيش والمؤسسات لم يعد تفصيلًا أو ترفًا سياسيًا، بل شرطًا أساسيًا لأي حماية أو إعادة بناء. والرئيس جوزاف عون يدرك هذه المعادلة جيدًا، ويتصرّف على أساسها، لا من باب الرهان على الخارج، بل من باب حماية الداخل من عزلة قاتلة.

للصبر حدود. وما يقوله رئيس الجمهورية اليوم لا يُقال ضدّ أحد، بل من أجل الجميع. هو دفاع عن اللبنانيين، عن بيوتهم، عن أمنهم، وعن بلد لم يعد يحتمل مغامرات إضافية ولا رهانات خاسرة. المطلوب لملمة الخطاب التحريضي الذي يسيء قبل أي شيء إلى أصحابه، ويضع شريحة واسعة من اللبنانيين في مواجهة الدولة بدل أن تكون في صلبها.

المعركة اليوم ليست بين رئيس وحزب، ولا بين خطاب وخطاب. هي معركة بين الدولة واللادولة، بين السيادة والفوضى، بين مشروع إنقاذ ومشروع انتحار سياسي وأخلاقي. وجوزاف عون، مهما اشتدّت الحملات، اختار الموقع الأصعب والأوضح: موقع الدولة. وهذا وحده يفسّر حجم الاستهداف.