حاول النظام الإيراني إخفاء مجزرته البربرية بحق شعبه الذي انتفض على الملالي الظالمين وتشريعاتهم الجائرة المتسلبطة على البلاد منذ استيلاء "الثورة الإسلامية" المشؤومة على الحكم، إلّا أن فظاعة القمع ونطاقه المرعب جعلا عملية الإخفاء مستحيلة، رغم قطع الإنترنت والاتصالات في أنحاء البلاد منذ أكثر من أسبوعين لعزل الشعب الإيراني وطمس الجرائم المرتكبة بحقه. ما زالت تتكشف جرائم حكّام طهران بحق الثوار الذين طالبوا بإسقاط النظام وقُمعوا بـ "الحديد والنار"، في حين كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أكد الخميس أن "أسطولًا حربيًا" أميركيًا يتحرّك في اتجاه إيران، علمًا أن وكالة "رويترز" أفادت الخميس نقلًا عن مسؤولين أميركيين بأن حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" وعددًا من المدمرات المزودة بصواريخ موجهة، ستصل إلى منطقة الشرق الأوسط في الأيام المقبلة. وكان لافتًا ما كشفه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أمس أن هناك مؤشرات على أن إسرائيل تبحث عن فرصة لضرب إيران، محذرًا من أن مثل هذه الخطوة قد تزيد من زعزعة استقرار المنطقة، وسط أنباء عن إلغاء رحلات جوّية إلى إسرائيل والشرق الأوسط، فيما ذكرت هيئة البث الإسرائيلية أن قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر سيجري محادثات في إسرائيل اليوم.
وسط هذه الأجواء المتوترة، عقد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة جلسة طارئة في جنيف أمس لبحث جرائم الملالي الأخيرة، حيث أكد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك أن آلافًا، من بينهم أطفال، قتلوا في "القمع الوحشي" الإيراني للاحتجاجات، مناشدًا طهران إنهاء حملة القمع. ووصف الحملة بأنها "نمط من القهر والقوة الغاشمة التي لا يمكن أن تعالج أبدًا مظالم الناس وإحباطاتهم"، فيما وافق مجلس حقوق الإنسان على اقتراح لتمديد ولاية بعثة تقصي الحقائق المستقلّة المعنية بانتهاكات حقوق الإنسان في إيران لمدة عامين، وتوسيع صلاحياتها. ويلحظ النص تمكين البعثة من النظر في "اتهامات ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان الخطرة الأخيرة والمستمرّة، والجرائم المرتكبة في ما يتعلّق بالاحتجاجات". وعبّرت كوبا وباكستان ومصر والصين عن معارضتها لاقتراح تمديد التحقيق، ما دفع إلى إجراء تصويت. وصوتت 25 دولة مع الاقتراح، بينما صوتت سبع دول ضدّه، وامتنعت 14 دولة عن التصويت.
وأوضح تورك أن قوات النظام استخدمت الذخيرة الحية ضدّ المتظاهرين، لافتًا إلى أن "مئات الجثث شوهدت وقد أُطلقت النار على رؤوسها وصدورها". وكشف أن "لدينا مؤشرات إلى أن قوات الأمن نفذت اعتقالات جماعية، بل وحتى لاحقت أشخاصًا مصابين داخل المستشفيات"، داعيًا إلى إجراء تحقيقات مستقلّة في شأن الانتهاكات وفق المعايير الدولية، كما طالب بتعاون النظام الإيراني مع لجنة تقصي الحقائق، والسماح لمقرّري الأمم المتحدة الخاصين بالوصول إلى إيران. ورأى أنه "قد يكون القتل في شوارع إيران قد توقف، لكن القمع ما زال مستمرًا"، معربًا عن قلقه من احتمال إصدار وتنفيذ إعدامات واسعة النطاق. وأكد أن كبار المسؤولين القضائيين وهيئة الإذاعة والتلفزيون في إيران، يهدّدون المتظاهرين علنًا بالإعدام، كما وصف قطع الإنترنت في إيران بأنه "الأطول حتى الآن"، مشيرًا إلى أن هذا الإجراء اتخذ بهدف التستر على القمع، وتقييد تدفق المعلومات، ومنع توثيق انتهاكات حقوق الإنسان.
توازيًا، اعتبرت المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في إيران ماي ساتو، أن قمع المتظاهرين خلال الاحتجاجات الأخيرة "يندرج ضمن أكثر حملات القمع دموية في تاريخ إيران المعاصر"، واصفة استخدام قوات النظام للقوة القسرية ضد متظاهرين غير مسلحين بأنه "انتهاك صارخ لمبدأي الضرورة والتناسب". ودعت إلى توسيع تحقيق الأمم المتحدة في المجازر التي ارتكبها النظام، جازمة بأن "الآن هو الوقت المناسب لكي يستجيب المجتمع الدولي ويدعم الشعب الإيراني في سعيه إلى نيل الحقوق الأساسية والمساءلة". ودعا بايام أخافان، وهو مدع سابق في الأمم المتحدة يحمل الجنسيتين الإيرانية والكندية، إلى تهيئة البلاد لما يشبه محاكمات نورنبرغ، في إشارة إلى المحاكمات الجنائية الدولية لقادة نازيين بعد الحرب العالمية الثانية.
في السياق، أكدت رئيسة بعثة تقصي الحقائق في شأن إيران سارة حسين أن شهادات الشهود والأدلة الرقمية تشير إلى وقوع انتهاكات "جسيمة" لحقوق الإنسان في إيران، بما في ذلك قتل الآلاف واستخدام التعذيب والعنف الجنسي وبث اعترافات قسرية على التلفزيون الرسمي. وحسمت أن "السبيل الوحيد لمنع تكرار مثل هذه الانتهاكات هو ضمان المساءلة وكسر حلقة الإفلات من العقاب"، في حين أكد ممثل الاتحاد الأوروبي في الجلسة أن التكتل يعمل على اتخاذ إجراءات بحق منتهكي حقوق الإنسان في إيران، متوعّدًا بفرض عقوبات عليهم. بالتزامن، كشفت ممثلة ألمانيا في البرلمان الأوروبي هانا نويمان، بصفتها رئيسة الوفد البرلماني للعلاقات مع الشعب الإيراني، أن جلسة عامة ستُعقد في البرلمان الأوروبي الإثنين المقبل لمناقشة قمع الاحتجاجات في إيران.
في المقابل، ادعى سفير إيران لدى الأمم المتحدة في جنيف علي بحريني أن جلسة مجلس حقوق الإنسان الطارئة غير قانونية، حاسمًا أن بلاده لن تعترف بشرعية قرارها. وشكّكت الصين وباكستان وكوبا وإثيوبيا في جدوى الجلسة. ووصف السفير الصيني الاحتجاجات في إيران بأنها "شأن داخلي". وكانت مصر وقطر والصين وكوبا والبرازيل وباكستان والمكسيك والعراق وجنوب أفريقيا وبوروندي، قد رفضت في وقت سابق تأييد طلب عقد الجلسة الطارئة حول إيران.
في الغضون، أفادت "منظمة العفو الدولية" بأنه "منذ 8 و9 كانون الثاني 2026، عندما ارتكبت السلطات الإيرانية عمليات قتل جماعي غير قانونية على نطاق غير مسبوق لقمع الانتفاضة الشعبية المطالبة بإنهاء حكمها القمعي، شنت السلطات حملة قمع منسّقة وعسكرية لمنع أي معارضة إضافية وإخفاء جرائمها"، موضحة أن الحملة شملت قطع كامل للإنترنت، ونشر دوريات أمنية مسلحة بشكل كثيف، وفرض حظر تجول ليلي، ومنع أي تجمعات، كما اعتقلت قوات الأمن آلاف المتظاهرين والمعارضين، وعرّضت المحتجزين للاختفاء القسري والتعذيب وأشكال أخرى من سوء المعاملة، بما في ذلك العنف الجنسي، فيما قامت السلطات بمضايقة وإرهاب عائلات ضحايا الاحتجاجات القتلى بشكل مستمرّ وقاسٍ".
إلى ذلك، استهدفت الخزانة الأميركية "أسطول الشبح" الإيراني بعقوبات جديدة "في ظل حملة القمع الوحشية التي يشنها النظام الإيراني على المتظاهرين السلميين وانقطاع الإنترنت الكامل لتمويه انتهاكاته ضد الشعب الإيراني"، موضحة أنها استهدفت تسع سفن من "أسطول الشبح" وثماني كيانات مرتبطة به، "التي نقلت بشكل جماعي مئات الملايين من الدولارات من النفط ومنتجات البترول الإيرانية إلى الأسواق الأجنبية، ويجري تحويل هذه الإيرادات، التي هي حق للشعب الإيراني، لتمويل وكلاء النظام الإرهابيين الإقليميين، وبرامج الأسلحة، وخدمات الأمن". وتوعّد وزير الخزانة سكوت بيسنت بأن وزارته "ستواصل تتبّع عشرات الملايين من الدولارات التي سرقها النظام ويحاول جاهدًا تحويلها إلى مصارف خارج إيران".
وبعدما أكد ترامب أنه أوقف تنفيذ 837 عملية إعدام كان من المقرّر تنفيذها في إيران الأسبوع الماضي بحق متظاهرين إثر تهديده الملالي بضربة، قال النائب العام الإيراني محمد مواهدي آزاد: "لقد زعم الرئيس الأميركي بأنه أوقف إعدام 800 شخص في إيران، لكن هذا الادعاء كاذب تمامًا، ولا وجود لمثل هذا العدد، ولم تتخذ السلطة القضائية أي قرار من هذا القبيل"، في وقت توعّد فيه خطيب صلاة الجمعة في طهران محمد جواد حاج علي أكبري بأنه "على العدو أن يعلم أنه في حال أي خطأ، فإن كافة مصالحه وقواعده في المنطقة ستكون أهدافًا مشروعة"، مهدّدًا بأن "التريليون دولار التي استثمرتموها في المنطقة في مرمى صواريخنا". وأشار نائب قائد القوة البحرية في "الحرس الثوري" إلى أن بعض الأطراف في أميركا يتحدّثون عن مهاجمة إيران عبر السفن الحربية أو الطائرات، قائلًا: "فليأتوا، نحن جاهزون لهم". وادعى أن إيران تمتلك "سيطرة ذكية وكاملة" على مضيق هرمز.
إقليميًا، كشفت "رويترز" أن أميركا هدّدت سياسيين عراقيين كبارًا بفرض عقوبات تستهدف الدولة في حال ضمّ جماعات مسلحة مدعومة من إيران في الحكومة المقبلة، موضحة أنه من ضمن العقوبات احتمال استهداف عائدات النفط التي تحصل عليها الدولة العراقية عبر بنك الاحتياطي الفدرالي في نيويورك. وردًا على طلب للتعليق، حسمت الخارجية الأميركية أن واشنطن "تدعم سيادة العراق، وسيادة كل دول المنطقة، وهذا لا يترك أي دور للميليشيات المدعومة من إيران التي تسعى إلى تحقيق مصالح خبيثة وتثير الفتنة الطائفية وتنشر الإرهاب في أنحاء المنطقة".