العميد الركن المتقاعد طوني أبي سمرا

"حزب الله"- "أمل": عقيدة الضاحية وانهيار النظام المركزي

6 دقائق للقراءة

يدخل لبنان مرحلة مفصلية تتهاوى فيها افتراضات راسخة حول القوة المسلحة و"المقاومة". فالدور العسكري لـ "حزب الله" وحركة "أمل"، الذي قُدِّم طويلاً بوصفه ركنًا ثابتًا في المعادلة اللبنانية، يقترب من نهايته. سواء عبر نزع السلاح طوعًا، أو بفعل الإكراه - بالنقاط أو بالضربة القاضية - فإن قدرة هذا "الثنائي" على العمل كقوة عسكرية تتآكل بوتيرة متسارعة.

يعود هذا التحول إلى تغيّرات بنيوية في طبيعة الحرب، والاصطفافات الإقليمية. غير أن الأهم هو انهيار ما ادّعاه "حزب الله" من "شرعية المقاومة" داخليًا، وشرعية الادعاء بالدفاع الديني خارجيًا. فـ "الحزب" لم يخسر عسكريًا فحسب، بل خسر الغطاء اللبناني الذي ادّعى تمثيله، والذريعة الإسلامية التي استُخدمت لعقود لتبرير السلاح.

ومع ذلك، فإن أفول الجدوى العسكرية لـ "حزب الله- أمل"، لا يحلّ الأزمة اللبنانية الأعمق. فحتى لو تراجع دورهما، سيبقيان جزءًا من نظام سياسي فشل، على مدى قرابة قرن، في إنتاج السيادة والمساءلة والاستقرار. وعليه، فإن السؤال الجوهري لا يقتصر على احتكار استخدام القوة من قبل "حزب الله - أمل" والفصائل الأخرى، بل على قدرة لبنان على التحرر من منطق الدولة الفاشلة والنظام المركزي المأزوم إلى نظام قادر وفاعل.


عقيدة الضاحية

تطوّر النهج العسكري الإسرائيلي تجاه لبنان ليصبح مزيجًا من عقيدتين لا تتركان هامشًا يُذكر لبقاء أي قوة مسلحة خارج إطار الدولة. الأولى هي "عقيدة الضاحية" (The Dahiya Doctrine) التي تعتبر البنية العسكرية المندمجة في البيئات المدنية أهدافًا مشروعة، وتهدف إلى تفكيك وهم الحماية المجتمعية وعدم السماح بالاحتماء بالكثافة السكانية.

وقد تكون هذه العقيدة مستوحاة من نظرية الجنرال الإيطالي جوليو دويه (Giulio Douhet) في القوة الجوية، والتي ترى أن التفوق الجوي قادر على شل الخصم عبر الاستهداف المنهجي للبيئات المدنية الداعمة، وقدرات المجتمعات على إعادة توليد القوة. ما كان نظرية في بدايات القرن العشرين تحوّل، في السياق اللبناني، إلى واقع عملاني حاسم بفضل الذخائر الدقيقة، والمراقبة المستمرة، والاستخبارات اللحظية، والذكاء الاصطناعي.

معًا، تحوّل هاتان العقيدتان لبنان إلى ساحة عمليات شبه مغلقة، حيث تصبح أي قوة تعتمد على بنى ثابتة أو قيادة معروفة أو شبكات لوجستية قابلة للتتبع عرضة للتدمير المنهجي.


الجغرافيا - التكنولوجيا ونهاية التخفي

يعمل "حزب الله - أمل" ضمن حيّز جغرافي محدود ومكشوف يفتقر إلى العمق الاستراتيجي اللازم لحرب استنزاف طويلة. فجنوب لبنان والبقاع لا يتيحان المناورة في مواجهة خصم يمتلك تفوقًا نوعيًا واستخباراتيًا شاملًا. وقد أدّى دمج الذكاء الاصطناعي، والمراقبة الجوية، والاستهداف الدقيق إلى إفراغ مفهوم التخفي من مضمونه: ما كان يُخفى أصبح مكشوفًا، وما كان يُعاد بناؤه بات يُستهدف استباقيًا.

في هذا السياق، تفقد حرب العصابات وظيفتها لأن شروط نجاحها لم تعد قائمة. فإلى جانب العامل التكنولوجي والجغرافي، ساهم تطور "حزب الله" الذاتي في تسريع هذا الانكشاف. فبعد 2006، سعت قيادته إلى الجمع بين حرب العصابات والتكتيكات العسكرية الكلاسيكية، كما وأدّى الانخراط الطويل في الحرب السورية إلى إعادة تشكيل ثقافته العملانية، فانتقل إلى منطق السيطرة على الأرض، والتشكيلات المرئية، والقيادة "فوق الأرض".

وعندما نُقلت هذه الذهنية إلى لبنان، تخلّى "الحزب" عن حرب العصابات التي شكّلت مصدر قوته الأساسية. فحرب العصابات تقوم على حرمان الخصم من الأهداف، فيما تخلق الحرب التقليدية تلك الأهداف. وتحت معادلة الضاحية - دويه، يصبح هذا التحول عاملًا قاتلًا.


انهيار الدعم الإقليمي والداخلي

لا يمكن فصل التراجع العسكري عن تفكك البيئة الداعمة. لم تعد سوريا عمقًا استراتيجيًا وبات محور إيران - دمشق - لبنان مكشوفًا وقابلًا للاستهداف، فيما أظهرت العراق ترددًا في الانخراط في مواجهة إقليمية مفتوحة. نتيجة لذلك، انتقل "حزب الله" من فاعل إقليمي متعدد الساحات إلى قوة منغلقة داخل حدود لبنانية هشة.

غير أن الأخطر هو الانهيار المتسارع للدعم الداخلي. لم يعد السلاح يُنظر إليه كأداة دفاع جامعة، بل كوسيلة فرض سياسي وتعطيل للدولة وتهديد للسلم الأهلي. حتى داخل البيئة الشيعية، يتسع الشرخ مع تزايد الكلفة البشرية والاقتصادية.

بالتوازي، فقد "حزب الله" آخر أوراقه الرمزية: المقاومة الإسلامية والادعاء بالدفاع عن الإسلام. فالسلاح المستخدم للهيمنة الداخلية وقمع المعارضة وربط المجتمع بمصير إقليمي لا يمكن تبريره فقهيًا أو أخلاقيًا.


ما بعد "حزب الله": نداء إلى النخب والرأي العام

ولكن حتى مع أفول القدرة العسكرية لـ "حزب الله - أمل"، سيبقى لبنان عالقًا في حلقة جهنمية ما لم يُعَد النظر جذريًا في نظامه السياسي. فالدولة المركزية اللبنانية، منذ نشأتها، لم تكن ضحية السلاح فقط، بل شريكًا في إنتاجه. وإنهاء السلاح خارج الدولة، على ضرورته، لا يكفي من دون إصلاح النظام الذي سمح بوجوده.

إن كسر الحلقة الجهنمية يتطلب تحالفًا وطنيًا عابرًا للطوائف، لا يقوم على الغلبة أو الإقصاء، بل على الشراكة وإعادة البناء. لذلك، ندعو النخب السياسية والفكرية، والقوى المدنية، وقيادات الرأي في جميع المكوّنات اللبنانية، إلى إطلاق مسارات مراجعة داخلية صريحة داخل كل مجتمع، تُفضي إلى تشكيل جبهات ديمقراطية مستقلة عن منظومات الفشل والسلاح.

على المسيحيين، والسنة، والشيعة، والدروز - كلٌ داخل مجتمعه أولًا- أن يباشروا هذه المراجعة، بهدف بلورة رؤى سياسية جديدة تعبّر عن مصالح الناس لا عن امتيازات الزعامات. ومن ثم، إلى التقاء وطني جامع بين هذه الجبهات، يهدف إلى بناء عقد اجتماعي جديد ونظام سياسي قادر على تجسيد هذا العقد، وفرض السيادة، وضمان الاستقرار، وتحقيق الازدهار، والمحاسبة، والأمن لجميع اللبنانيين.

نحن نؤمن أن نظامًا اتحاديًا يمكن أن يخدم هذا الهدف، لكننا منفتحون على أي نقاش جدي ومسؤول حول أفضل الصيغ التي تضمن وحدة الدولة وحقوق المكوّنات في آن واحد. ما لم يعد مقبولًا هو الاستمرار في نظام مركزي أثبت فشله، وأنتج السلاح والانهيار.

هذه ليست دعوة مواجهة بين اللبنانيين، ولا مشروع غلبة لفئة على أخرى، بل نداء شراكة تاريخية. فإما دولة تحمي مواطنيها وتستعيد قرارها، أو استمرار نظام يُعيد إنتاج الفشل والعنف بلا نهاية.

ومن موقعنا كمسيحيين، نرى أن اللحظة قد حانت لإطلاق جبهة ديمقراطية مسيحية، تقوم على رؤية واضحة ومشروع سياسي متماسك، يوحّدنا حول مفهوم الدولة لا حول الخوف، وحول المستقبل لا حول الذاكرة. على أمل أن تبادر سائر المكوّنات اللبنانية إلى مسارات مماثلة، تمهيدًا لبناء شراكة وطنية جديدة تُنهي زمن السلاح والفشل، وتفتح الباب أمام دولة حقيقية.


الرئيس السابق لأمن الأمم المتحدة في آسيا والمحيط الهادئ