يتمتع قانون الموازنة العمومية بطابع القانون الأساسي المنصوص عنه في الدستور، وهو في عداد المواد الأساسية المذكورة في الفقرة الخامسة من المادة 65 من الدستور، ما يشير إلى أهميته القصوى بحيث أن وجود الدولة مرتبط ارتباطًا عضويًا بماليتها وبانتظام تلك المالية وصدقيتها وشفافيتها. وهو يعبّر من ناحية عن سياسة الحكومة العامة، ومن ناحية أخرى، يشكل الصك الأساسي الذي يجيز للحكومة سنويًا الجباية والإنفاق ويتيح للبرلمان وللجهات الرقابية القضائية كديوان المحاسبة، إجراء الرقابة على مداخيل الدولة ونفقاتها مع التأكيد أن صلاحية إقرار الموازنة تعود من حيث مضمونها ومن حيث صراحة مواد الدستور التي تنظم مالية الدولة، إلى السلطة التشريعية بموجب قانون.
ومنعا لأي طعن بعدم دستورية الموازنة يقتضي من المشرّع التقيد بالمبادئ الدستورية التي حددها المجلس الدستوري في عدة اجتهادات ويمكن اختصارها كما يلي:
1 - بالنسبة لقطع الحساب
يتم اعتماد قطع الحساب من أجل تحديد الخلل في تنفيذ موازنة سابقة والاسترشاد به لوضع موازنة لسنة قادمة، وبالتالي يتم اعتماده من أجل الموازنة ولم تعتمد الموازنة من أجل قطع الحساب وليس ما يوجب إبطال القانون لعدم سبقه بقطع الحساب.
نظرًا للأهمية الاستثنائية التي أولاها الدستور للموازنة العامة، لا يجوز للحالة الشاذة المتمثلة بغياب قطع الحساب لسنوات عدة، أن تحول دون إقرار الموازنة العامة على أن يجري سريعًا الخروج من الحالة الشاذة هذه ووضع قطع حساب وفق القواعد التي نص عليها الدستور وقانون المحاسبة العامة لعودة المالية العامة إلى الانتظام.
2 - ارتباط قانون الموازنة بحماية المصلحة العامة والعدالة الاجتماعية.
تعود صلاحية إقرار الموازنة من حيث مضمونها ومن حيث صراحة مواد الدستور التي تنظم مالية الدولة، إلى السلطة التشريعية بموجب قانون.
إن النص الذي ينظم مالية الدولة، تكون له قوة القانون من حيث مضمونه كونه محفوظًا أساسًا للتشريع في المجلس النيابي، وتعود تبعًا لما تقدم للمجلس الدستوري سلطة الرقابة على دستوريته.
يفترض بالتشريع أن يكون هادفًا إلى حماية المصلحة العامة والحقوق المشروعة للأفراد والمجموعات التي يتكون منها الإقليم الذي تمارس الدولة عليه سيادتها.
كمن أحد مظاهر العدالة الاجتماعية في العدالة الضريبية التي عبَّرَت عنها صراحة المادة 81 من الدستور والتي نصّت على شمولية الضريبة المُحدثة بقانون وتطبيقها على إقليم الدولة بأكمله دون استثناء، ما يعني أن يخضع جميع اللبنانيين للضرائب على حدّ سواء وبشكل عادل فلا يلحق غبن بفئة من جرائها ولا تخضع لها منطقة من إقليم الدولة دون أخرى، وهذا كلّه يؤلِّف أيضًا في الموضوع الضريبي مفهومًا تطبيقيًا للعدالة الاجتماعية، فلا تُعتَبَر جباية الأموال في ذاتها، أي مصلحة الدولة بأن تستحصل على إيرادها الواجب والمشروع، هدفًا يؤثِرُه القانون بمنْحه حمايته دون أن يوازنه مع سواه من الاعتبارات الناجمة عن أن الأصل في النظام الضريبي ان يكون قائمًا على العدالة الاجتماعية.
3 - بالنسبة للمهل الدستورية
أكّد المجلس الدستوري أن المهل الدستورية مرتبطة بالشرعية الدستورية وبمبدأ الأمان التشريعي وليست مجرد إجراءات ذات طابع تنفيذي. ويقتضي التقيد بها في سبيل استقرار المنظومة القانونية.
ان المشترع الدستوري حدد هذه المهل لإعداد مشروع الموازنة من قبل مجلس الوزراء ودرسه وإقراره في مجلس النواب من أجل الحفاظ على انتظام المالية العامة وتحقيقًا للمصلحة الوطنية...
إن وضع موازنة عامة سنوية واجب فرضه الدستور وبالتالي فإن تحديد المهل الدستورية بشأن الموازنة، يهدف إلى منع التباطؤ في إعدادها ودرسها وإقرارها، لما لذلك من أثر خطير على المالية العامة وانتظامها.
إن عدم تقيد السلطتين الإجرائية والاشتراعية بالمهل المنوه عنها أعلاه، لا يجوز أن يحول دون إقرار الموازنة لارتباطها بانتظام المالية العامة وبالمصلحة الوطنية العليا.
إن الغاية من المهل التي حددها الدستور بشأن الموازنة هي تجنب التباطؤ في إعدادها ودرسها وإقرارها وإصدارها ووضعها موضع التنفيذ.
إن عدم التقيد بالمهل الدستورية وإن كان يشكل مخالفة دستورية وعدم انتظام للمالية العامة وتماديًا في الإنفاق على قاعدة الاثنتي عشرية، إلا أن الدستور لم يرتب أي نتائج رادعة على عدم التقيد بها، ما يترتب عليه القول إن عدم التقيد بالمهل الدستورية في إقرار الموازنة لا يشكل سببًا لإبطالها وإحلال الفوضى مكانها.
4 - بالنسبة للتسوية الضريبية
تتعارض التسوية الضريبية مع مفهوم العدالة الاجتماعية لأنها لم تساوِ بين المواطنين في استيفاء الضرائب والرسوم، وتنتهك بالتالي مبدأ العدالة الاجتماعية،.
ينبغي التقيد بمبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين بدون تمييز أو تفضيل وفق ما جاء في الفقرة (ج) من مقدمة الدستور، ووفق ما نصّت عليه المادة السابعة من الدستور التي جاء فيها أن "كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دونما فرق بينهم.
ان التسوية الضريبية، من شأنها تشجيع المواطنين على التخلف عن تسديد الضرائب المتوجبة عليهم، وحمل الذين دأبوا على الالتزام بتأدية واجبهم الضريبي، على التهرب من تسديد الضرائب المتوجبة عليهم، أملًا بصدور قوانين إعفاء ضريبي لاحقًا.
إن قانون التسوية الضريبية فضلًاا عن أنه يتعارض مع مبدأ المساواة بين المواطنين ومبدأ العدالة الضريبية، فإنه يؤدي إلى التفريط بالمال العام، وبالتالي زيادة العجز في الموازنة العامة، في وقت تزاد فيه الضرائب والرسوم على سائر المواطنين من أجل تغذية الموازنة وتخفيض العجز المتنامي فيها.
5 - مبدأ الشمول ومبدأ الشيوع
يقضي مبدأ الشمول بأن تكون النفقات مفصولة عن الواردات في حين أن مبدأ الشيوع يرتبط بمفهوم الدولة كونها كيانًا سياسيًا وقانونيًا موحدًا وجامعًا، وما يتوافر من موارد يجب أن يكون موارد مشتركة لتحقيق المنفعة العامة.
إن الدستور اعتمد مبدأ سنوية الموازنة، وهو يتيح وضع الضرائب والرسوم في القسم المخصص للواردات، ووضع المصاريف في القسم المخصص للنفقات، وإجراء التوازن في ما بينهما للسنة القادمة، ويفسح في المجال أمام مجلس النواب لممارسة رقابة منتظمة ودورية، وخلال فترة وجيزة من الزمن، على المالية العامة، وعلى أعمال الحكومة في السنة التي انقضت، وبما أن انتظام مالية الدولة العامة، وخضوع السلطة الإجرائية لرقابة السلطة الاشتراعية في مجال الجباية والإنفاق، يقتضي معرفة حقيقية للواردات والنفقات من طريق قطع الحساب.
إن الدستور نص في المادة 87 منه على أن حسابات الإدارة المالية النهائية لكل سنة يجب أن تعرض على المجلس ليوافق عليها قبل نشر موازنة السنة الثانية التي تلي تلك السنة.
ربط الدستور مبدأ سنوية الموازنة بمبدأ الشمول الذي يعني تضمين الموازنة جميع نفقات الدولة وجميع مداخيلها عن السنة القادمة.
يكتمل مبدأ الشمول بمبدأ الشيوع في الموازنة، أي مبدأ عدم تخصيص واردات معينة لتغطية نفقات معينة، ما يعني أن يتم الإنفاق، أيًا كانت وجهته، بمأخوذات من الواردات، أيًا كانت مصادرها.
بالخلاصة هذه المبادىئ الدستورية العامة أصبحت راسخة ومستمرة بفعل اجتهادات المجلس الدستوري الصادرة بمجال الطعن بقوانين الموازنة ولذلك يتوجب على المشترع التقيد بها عند دراسة مشروع القانون كما يرد من مجلس الوزراء وإقرار قانون الموازنة العامة بعد مناقشته من قبل اللجان المختصة منعًا من الطعن به كما يحصل منذ سنوات عديدة سابقة.