لم يكن خطاب الشيخ نعيم قاسم الأخير مجرّد موقف سياسي عابر أو ردٍّ ظرفي على تطوّرات آنية، بل بدا أقرب إلى لحظة كشفٍ صريح وواضح لما حاول كثيرون ممن استفادوا مالياً وإعلامياً وسياسياً من قوة حزب الله إنكاره أو الالتفاف عليه لعقود. فقد جاء الخطاب ليضع النقاط على الحروف، ويُسقط آخر أوراق التوت عن مقولات "قرار حزب الله اللبناني المستقل"، و"لبنانية المقاومة"، و"لبنانية حزب الله" التي طالما تشدقت بها حناجر الزعماء الممانعين ورفعها جمهورهم المسيّر بالعواطف والمصالح دفاعاً عن سلاح الحزب ودوره.
في لهجته ومضمونه، لم يترك الخطاب مجالاً للتأويل؛ فالانتماء العقائدي والسياسي لمحور "ولاية الفقيه" لم يُعرض كخيار تكتيكي، بل كهوية تأسيسية ثابتة. وقد بلغ الشيخ نعيم قاسم ذروة الوضوح والصدق حين قال:"الولي الفقيه هو الإمام القائد الخامنئي دام ظله. هو وليّ أمرنا، هو قائدنا، هو الذي يشرّع حقيقة مواقفنا فيما يتعلّق بالتحديات، وفيما يتعلّق بالمسؤولية الشرعية. دماؤنا لا نستطيع أن نصرفها، ومقاومتنا لا نستطيع أن نقوم بها من دون إذن شرعي، لأن الدم مسؤولية، والولي هو الذي يحدّد مسار الأمة بشكل عام" وهنا يكمن جوهر الرسالة التي اراد الشيخ نعيم قاسم ارسالها للجميع: حزب الله لا يقدّم نفسه كحركة مقاومة لبنانية تعمل ضمن حدود الدولة ومصالحها العليا، بل كجزء عضوي من مشروع إقليمي تقوده إيران، يتقدّم فيه الولاء العقائدي على أي اعتبار وطني. لهذا من قام بالاتفاقيات بالأمس عليه ان يخبر جمهوره الحقيقة ومن يدعو اليوم للحوار مع هذا المشروع على ماذا يبني اسس حواره او اهدافه الحوارية؟
لأعوام طويلة، لم يكن الدفاع عن "لبنانية" حزب الله حكراً على بيئته الحاضنة، بل شاركت فيه زعامات سياسية ودينية وإعلامية مسيحية وإسلامية وازنة. فقد سمع اللبنانيون مراراً تأكيدات من صحافيين ومحللين وقيادات مسيحية بارزة، ومن رجال دين وراهبات ورهبان، بأن الحزب "مقاومة لبنانية شريفة" وأن سلاحه موجَّه حصراً ضد العدو الإسرائيلي ولا علاقة له بأي مشروع خارجي. كما ردّد قادة إسلاميون، سنّة وشيعة، مقولات مشابهة، معتبرين أن علاقة الحزب بإيران لا تتعدّى حدود الدعم والمساندة، وأن قراره النهائي "لبناني مئة في المئة" وينطلق من المصلحة الوطنية.
هذه المواقف لم تكن تفصيلاً سياسياً، بل شكّلت ركيزة أساسية في تبرير استمرار السلاح خارج إطار الدولة، وفي تسويق فكرة إمكان دمج الحزب تدريجياً في منطق الدولة، أو على الأقل تحييد سلاحه عن الصراعات الداخلية والإقليمية. وبلغت ذروة الدعايات السياسية-الإعلامية في نصوص ما عُرف باتفاق "قاعة مار مخايل". غير أنّ خطاب الشيخ نعيم قاسم الأخير جاء لينسف عملياً هذا السرد بأكمله، لا عبر اتهامات الخصوم، بل من خلال إعلان صريح للهوية والمرجعية والوظيفة.
فحين يُربط السلاح بالبعد الإلهي، ويُنزَع عنه أي نقاش سياسي أو وطني، وحين تُقدَّم المرجعية العقائدية فوق الدستور والدولة، يصبح واضحاً أن مصدر الشرعية ليس الدولة اللبنانية ولا التوافق الوطني، بل المصلحة الإيرانية. عندها، لا يعود الحديث عن "لبننة" السلاح أو حتى "لبننة" حزب الله سوى وهم سياسي أو إنكار متعمّد للواقع.
الأخطر أن الخطاب لم يكن موجّهاً إلى الخارج فقط، بل إلى الداخل اللبناني أيضاً. هو رسالة مباشرة إلى من لا يزال يراهن على إمكانية إعادة إنتاج الحزب كقوة لبنانية خالصة. الرسالة واضحة: الحزب ليس مكوّناً سياسياً قابلاً للتسوية الداخلية التقليدية، بل أداة ضمن مشروع إقليمي أكبر، تتقدّم فيه وظيفة الضغط والمواجهة على أي أولوية اقتصادية أو اجتماعية أو سيادية للبنان.
بعد هذا الخطاب، يصبح السؤال مشروعاً وملحّاً: هل صدّق المشكّكون أخيراً أن الحزب ليس مجرّد حليف لإيران، بل امتدادٌ مباشر للحرس الثوري، عقيدةً ووظيفةً وقراراً؟ وهل باتت الزعامات التي دافعت طويلاً عن "لبنانيته" مستعدّة لمراجعة مواقفها، بعد أن سقطت الحجج من أفواه أصحابها؟ وهل سيسمح الرئيس نبيه بري بجرّ الشيعة اللبنانيين إلى مجزرةٍ كربلائية، خدمةً لمصالح الوليّ الفقيه؟
هذا الخطاب يضع المتردّدين أمام مسؤولية فكرية وأخلاقية: إمّا الاعتراف بحقيقة المشروع كما هو، لا كما جرى تسويقه، وإمّا الاستمرار في إنكارٍ لم يعد يقنع حتى من دافعوا عنه يوماً. وفي الحالتين، يبدو أن مرحلة ما بعد هذا الخطاب لن تشبه ما قبلها، لأن ظهور الحقيقة غالباً ما يكون نقطة اللاعودة.