المحامي جوزيف فرح

التجربة الشيعية والصيغة اللبنانية: من طلب الشراكة إلى مأزق الدولة

3 دقائق للقراءة

لم تكن التجربة الشيعية في لبنان مرتاحة يومًا داخل الصيغة اللبنانية.

فمنذ نشأة الدولة، عاشت الطائفة الشيعية على هامش النظام الذي صُمّم ليوازن بين طوائف اعتبرت حين نشوئه "مؤسّسة" وطوائف أخرى اعتبرت "ملحقة".

ولم يكن هذا التهميش تفصيلًا تاريخيًا، بل أسهم في تشكيل الوعي السياسي الشيعي الحديث وهو ما يفسّر طبيعة الصدام مع الصيغة اللبنانية كما هي.

مع الإمام موسى الصدر، دخل الشيعة المعادلة اللبنانية من باب المطالبة بالإنصاف داخل النظام والتنمية المتوازنة والإعتراف السياسي بالطائفة.

ومع الحرب الأهلية، التي انخرطت فيها الطائفة، وما تلا هذه الحرب، تحوّل مطلب الشراكة إلى امتلاك أدوات القوة خارج الدولة تحت شعار "مقاومة إسرائيل"، وتحديدًا مع صعود نجم حزب الله وبروز ما عرف بـ"الثنائي الشيعي" كقوة سياسية وعسكرية واجتماعية.

ومع اتفاق الطائف، بدا ظاهريًا أن التجربة الشيعية استقرت داخل النظام عبر المشاركة الكاملة في السلطتين التنفيذية والتشريعية والحضور الوازن في القرار الوطني اللبناني.

غير أن هذه المشاركة بقيت ملتبسة مع بناء الطائفة لقوة موازية تتجاوز حدود الدولة ومنطقها، فبدأ التناقض البنيوي بين التجربة الشيعية والصيغة اللبنانية القائمة على فكرة التوازن بين الطوائف لا على تفوق طائفة بقوة السلاح أو فائض النفوذ الإقليمي.

هذه التجربة ليست علامة فارقة في تاريخ لبنان الحديث، فقد عاش المسيحيون إبان ما اصطلح على تسميته بـ"المارونية السياسية" فائض قوة جعلهم ينكرون على الطوائف الإسلامية حقها بالمشاركة الفعلية في القرار الوطني وفي المؤسسات؛ كما لم تتورّع "السنية السياسية" عن تجيير البندقية الفلسطينية واستخدامها للحصول على مكاسب داخل النظام السياسي اللبناني، وبالتالي فإن التجربة الشيعية الراهنة، على قساوتها، تدخل في السياق التاريخي نفسه الذي خاضت الطوائف الأخرى غماره.

ماذا عن المستقبل؟

مع الإنهيار الشامل الذي يضرب لبنان، يتبين أن التجربة الشيعية غير قادرة على حكم بلد منهار بمنطق القوة وحدها، إلى حدّ أن السؤال المطروح لم يعد عن موقع الشيعة في الصيغة بل عن مصير الصيغة بحدّ ذاتها؛ فالدولة التي تعطَّل لحماية السلاح تسقط اقتصاديًا واجتماعيًا، وحين تسقط، لا يبقى شيء ليُحمى ويَحمي. إنه المأزق!

الحتميّة التاريخية

لقد شكلت الصيغة اللبنانية على الدوام إطارًا لإدارة التنوّع اللبناني، وهي على ضعفها، أمّنت الحضن الواقي للطوائف بعد المخاضات العسيرة التي عاشتها. والطائفة الشيعية لن تبقى، بلا ريب، خارج هذا الإستيعاب التدريجي لأنه حتمية تاريخية لا قدرة لأحد أن يخرج عنها طالما بقي في لبنان تعدّد طائفي ونيّة للعيش المشترك، وطالما أنه من المستحيل استمرار هذه العلاقة القائمة على التوازن القلق بين الدولة والشيعة.

إن قوة أية تجربة سياسية لا تقاس بقدرتها على فرض الأمر الواقع، بل بقدرتها على المساهمة في إنتاج دولة حقيقية قابلة للحياة.

ولبنان لم يعد يحتمل، بصيغته الراهنة، تجارب القوة؛ بل هو يحتاج إلى شجاعة المراهنة التي لا بدّ آتية: إنها حتمية التاريخ وقدر الدول المتعددة المكونات!