في معرض "La Marrade" بمدينة دنكيرك الفرنسيّة، قد يضحك الزائر قبل أن يفهم السبب، ليس لأن الأعمال خفيفة أو مسلية، بل لأن الضحك هنا جزء من اللغة المعروضة. في "مركز الفنون المعاصرة"، لا يُستقبل الزائر بخطاب تفسيريّ ثقيل، ولا ببيانات أيديولوجية مغلقة، بل بدعوة غير مباشرة إلى الضحك. لا يتعامل معرض "لا ماراد" مع الفكاهة بوصفها عنصرًا زخرفيًا أو استراحة خفيفة داخل سرديّة جادة، بل يضعها في موقع مركزيّ، باعتبارها أداة تفكير واستراتيجية فنية وموقفًا نقديًا متكاملًا.
حتى 8 آذار 2026، يتحوّل الضحك إلى لغة عرض ومدخل لإعادة قراءة تاريخ الفن النسويّ الذي طالما قُدِّم من زاوية نضاليّة صارمة، غالبًا على حساب تعقيده وحيويّته. في زمن تتكاثر فيه خطابات ثقيلة حول مساواة وهوية وعدالة، يبدو اختيار الفكاهة مسارًا جانبيًا ظاهريًا، لكنه أكثر نفاذًا. فبدل المواجهة المباشرة، يعتمد المعرض الذي افتُتح في 18 تشرين الأول 2025، على سخرية ذكية، عبث محسوب، ومفارقات بصرية ولغوية تزعزع ما يبدو بدهيًّا، وتكشف هشاشة صُور وسُلطات ترسّخت عبر عقود.
معرض خارج الذوق السائد
منذ الدخول، يعلن "لا ماراد" اختلافه: ألوان أرجوانية، تصميم غير مألوف، ومسار عرض يرفض خط زمن تقليدي. كلّها عناصر تهيّئ المتلقي لتجربة لا تسعى إلى الطمأنة. هذا الرفض للراحة البصرية ليس هدفًا بحدّ ذاته، بل جزء من منطق عام يرى في الفكاهة أداة إرباك ضرورية، وليست تسلية مجانيّة. تصنيف المعرض بصفته "معرضًا ذا أهمية وطنية" من وزارة الثقافة الفرنسية، لا يعود إلى كثافة الأعمال المعروضة فقط بل إلى جرأة منهجيّة واضحة في إعادة الاعتبار لجانب مهمَّش من تاريخ الفن النسويّ، جانب غالبًا ما عُدّ غير جاد أو غير لائق بمؤسسات فنية كبرى. هنا، الضحك لا يناقض الجديّة، بل يسبقها، ويفتح مساحات قراءة أكثر تعقيدًا.
ضحكة غير بريئة
الفكاهة التي يقترحها المعرض ليست وعدًا بِمَرح عابر، بل إنها ما يُمكن وصفه ببهجة نقدية، ضحك يظهر بوصفه فعلًا واعيًا، أحيانًا مرًّا، وأحيانًا مربكًا، لكنه دائمًا موجّه. تاريخ المعارض الفنية حافل بلحظات ساخرة عابرة، لكن نادرًا ما مُنحت الفكاهة مكانة موضوع مستقل. يقلب معرض "لا ماراد" هذه المعادلة، ويضع الضحك في الصدارة، فيما تسير الجديّة خلفه، متردّدة، ومُجبرة على إعادة تعريف نفسها. هذا التوجُّه يستعيد تقاليد سخرية وعبث تبنّتها فنانات منذ ستينات وسبعينات القرن الماضي، حين تحوّل الضحك إلى أداة تفكيك رمزي، وموقف سياسي غير مباشر، لغته خفيفة ظاهريًا، لكنها شديدة الدقة، قادرة على مُساءلة سلطة وذائقة وأعراف أبوية من دون رفع الصوت.
ثلاثية بلا مساومة
تطرح القيّمة على المعرض كاميل بولان، بالتعاون مع هانا ألكيما ومارغو سافينياك، مشروعًا لا يساوم على مفاهيمه. يقف "لا ماراد" عند تقاطع واضح بين فن، وفكاهة، ونسويّة، من دون تذويب أي عنصر في الآخر. يضم المعرض 78 فنانة من أجيال وخلفيّات جغرافية متعدّدة، إلى جانب فنان أداء واحد، هو ميشال جورنياك، القادم من سبعينات القرن العشرين، والذي يحضر لا كاستثناء رمزي، بل كجزء من حوار أوسع حول الجسد والسخرية والتمثيل. يمتد المعرض زمنيًا من الموجة الثانية للحركة النسويّة إلى ممارسات معاصرة لا تزال تختبر حدود الضحك اليوم. أسماء مثل إيفلين أكسيل، غيريلا غيرلز، أنيت ميساجيه، أورلان، مارثا روسلر، مارغريت هاريسون، نيكول كلافيلو، ونيكي دي سان فال، لا تُعرض كأيقونات متحفيّة ثابتة، بل كأصوات حية، ساخرة، ومشاكسِة.
معنى "لا ماراد"
عنوان المعرض مفتاح أساسي لفهم روحه. "La Marrade" مصطلح مشتق من "Rigolade"، أعادت Benoîte Groult استخدامه لوصف ضحك يتحرّر من قيود الذوق البورجوازي، ومن تصوّرات نمطية حول أنوثة مهذبة، صامتة، ومضبوطة. الضحك هنا لا يجمّل واقعًا، بل يخلخله. هو فعل تمرّد لا يبحث عن قبول، ولا يعتذر عن حدّته. في مدخل مساحة العرض، يُعرض فيلم قصير لمشهد أصبح أيقونيًّا: ناشطات من حركة تحرير المرأة يضعن إكليل زهور على قبر زوجة جندي مجهول أسفل قوس النصر. مشهدٌ مضحك وصادم في آن. هنا، الفكاهة لا تكتفي بالإضحاك، بل تربك نظامًا رمزيًا كاملًا، وتكشف هشاشته من خلال مفارقة بسيطة.
وسائط متعددة ونبرة واحدة
يتوزع نحو مئتَي عمل فني بين لوحات، كولاجات، صور فوتوغرافية، فيديوات، عروض مصوّرة، تركيبات، مطبوعات، ووثائق أرشيفية. لا يبدو هذا التنوّع استعراضيًا، بل يخدم فكرة أساسية ألا وهي الفكاهة النسوية التي لا تنتمي إلى وسيط واحد، بل تتسلّل إلى جميع أشكال التعبير. من بين الأعمال اللافتة، لوحة "سيلفي جولي بوبيه، لي تريس" (2023) لنينا تشيلدرس، منفذة بأكريليك على مرآة، حيث يتقاطع وجه مرسوم مع انعكاس متلقٍ، في لعبة بصرية ذكية على مفهوم الجمال والنرجسية. إلى جانبها، عمل دوروثي سيلز "محاكاة نسبية: أنثى نمر معاد تنشيطها" (1973–2021)، يجمع تصويرًا فوتوغرافيًا وحبرًا، ويعيد قراءة جسد أنثوي عبر محاكاة ساخرة لِصُور إعلاميّة نمطيّة. في عمل ريناته بيرتلمان غير المُعنوَن "عروس" من عام 1974، يظهر رسم على ورق شفاف، هش في شكله، لكنه حاد في دلالته. أما إيفلين أكسيل، فتقلب البراءة البصرية في كولاج "يا للهول!" إلى صرخة ساخرة ضد قوالب جاهزة.
الضحك ذاكرة نضال
ما يميز "لا ماراد" إصراره على ربط أعمال فنية بوثائق أرشيفية، ملصقات، منشورات، مجلات هواة من السبعينات، صُور إضرابات نسائية، ورسوم هزلية لفنانات مثل كلير بريتشر. هذا الربط لا يشرح الأعمال بقدر ما يضعها ضمن سياق نضاليّ، حيث يصبح الضحك ممارسة جماعية، لا مجرّد خيار جماليّ فرديّ. في أعمال ذاتية، تتقمص دوروثي سيلز صورًا مستوحاة من مجلّتَي "لوي" و "بلاي بوي"، ومجلات ساهمت في صناعة صورة المرأة المثالية من العروس الحالمة أو الآمال السعيدة. عبر محاكاة ساخرة، تكشف سيلز فراغ هذه الصُّور، وتحوّلها إلى مادة ضحك نقدي. تعيد أورلان، من جهتها، استخدام جهاز عروس شابة في عرض تعرّ، فيما تسرد أنيت ميساجيه، بسخرية سوداء، طقوس "تعذيب طوعي" تمارسها النساء على أجسادهن باسم الإغراء.
تناقض مقصود
تُعاد في مجلّة المعرض كلمات أنيت ميساجيه التي ترى في الماكياج تعذيبًا ومتعة في آن واحد. هذا التناقض لا يُقدَّم كحُكم أخلاقيّ، بل كحالة معيشة. المعنى هنا غير ثابت، ويتغيّر تبعًا لسياق وحالة ذهنية لكلّ من فنانة ومتلقٍ. تفتح الفكاهة مساحة لهذا التذبذب، بدل إغلاقه داخل موقف نهائي. تذهب ريموند أرسير أبعد، حين تقول إن تحويل ممسحة إلى عمل فني يحتاج حسًا فكاهيًا. عملها "لعبة داما" (1971)، المؤلَّف من مماسح مخيطة وموضوعة على أرض كنسخة ساخرة من أعمال كارل أندريه، لا يعمل إلا إذا امتلك المتلقي مسافة تسمح بالضحك، لا سخرية سطحية، بل فهمًا نقديًا.
ضحك مستمر
يُختتم المسار بأعمال معاصرة تؤكد أن الفكاهة لم تفقد قدرتها على الإزعاج والإمتاع. "عارية مع الشوكولاتة" لفيرونيك بودييه، و "سيلفي جميلة، دمية، خصلات" لنينا تشيلدرس، تثبتان أن الضحك لا يزال ممكنًا، من دون اعتذار، ومن دون خوف من فقدان الجديّة.
معرض "لا ماراد" يعيد الاعتبار لضحك اعتُبر طويلًا غير لائق، لأنه يذكّر بأن النضال لا يكون دائمًا عابسًا، وأن السخرية القادرة على زعزعة بنى راسخة بفعاليّة، تفوق خطابًا مباشرًا. لا يُقدِّم المعرض إجابات جاهزة، ولا يوحِّد تجارب نسويّة تحت مظلّة واحدة، بل يفتح فضاءً تتجاور فيه السخرية والقلق، اللعب والنقد، والضحك والغضب المكبوت. في هذا الفضاء، يُكتشف الضحك بوصفه لغة معقدة لا تهرب من الواقع، بل تواجهه بأسلوب غير مباشر، يزعزع المسلَّمات، ويحوّل هشاشة ظاهرة إلى أداة وعي حادة. "La Marrade" يُذكّر بأن أكثر أشكال النقد فعاليّة قد تأتي أحيانًا وهي تضحك.


