مع استمرار التحضيرات العسكرية الأميركية في المنطقة تحسبًا لاحتمال توجيه ضربة ضدّ النظام الإيراني، يحاول ملالي طهران إبعاد شبح الحرب عنهم من خلال إطلاق التهديدات والتهويل بحرب إقليمية، بالتوازي مع اختبائهم خلف ستار الحراك الدبلوماسي الإقليمي الساعي إلى التوسط بين واشنطن وطهران. لكن تكتيكات طهران المرتكزة على ابتزاز دول المنطقة والعالم، لم تعد تؤتي ثمارها كما كانت الحال قبل الهزائم الاستراتيجية المدوية التي مني بها نظام الجمهورية الإسلامية منذ "طوفان الأقصى"، بل أضحت شبيهة بتصرّفات بالية كقرع الأواني لإبعاد الكوارث أو الأرواح الشريرة، إنما الحقيقة الصارخة تؤكد أن الصدام مع الواقع قادم لا محال، بصرف النظر عن الخطوات اليائسة المتخذة. يصرّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب على شروطه الصارمة للاتفاق مع النظام، رافضًا استبعاد أي خيار متاح له لتحقيق النتيجة المرجوة، بينما تتمسّك طهران، حتى اللحظة، بخطوطها الحمر، الأمر الذي تسبّب سابقًا باندلاع "حرب الـ 12 يومًا"، ومن المرجح أن يتسبّب في اندلاع حرب جديدة في الفترة المقبلة، إن لم تقدّم إيران التنازلات المنتظرة منها أميركيًا.
حسم المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، خلال إحيائه ذكرى عودة روح الله الخميني إلى إيران، وتزامنًا مع انطلاق "الاحتفالات" بالذكرى الـ 47 المشؤومة لاستيلاء "الثورة الإسلامية" على الحكم، أن "ما يتحدّث عنه الأميركيون أحيانًا عن الحرب، وتلويحهم بالقدوم عبر الطائرات والبوارج، ليس أمرًا جديدًا، فالشعب الإيراني لا يتأثر بمثل هذه الأقاويل، ولا يمكن ترهيبه بهذه التهديدات"، محذرًا من أنه "نحن لسنا ممن يبدأ الحروب، ولا نبتغي ظلمًا لأحد، ولا نسعى إلى الاعتداء على أي بلد، لكن، في مواجهة من تسول له نفسه شن هجوم أو إلحاق أذى، فإن الشعب الإيراني سيوجه إليه ضربة قاصمة". وتوعّد خامنئي بأنه "فليعلم الأميركيون أنهم إذا أشعلوا حربًا هذه المرة، فستكون حربًا إقليمية"، في حين رد ترامب على تصريحات خامنئي، قائلًا: "ولِمَ لا يقول ذلك؟ بالطبع سيقول ذلك، لدينا الآن أكبر وأقوى السفن هناك، آمل أن نُبرم صفقة، وإذا لم نُبرم صفقة، فسنعرف ما إذا كان محقًّا أم لا".
وادعى خامنئي أن هناك "طابعًا أميركيًا وصهيونيًا" لما سمّاه "فتن 8 و9 كانون الثاني"، في إشارة إلى التظاهرات المليونية التي عمّت الجغرافيا الإيرانية خلال هذين اليومين للمطالبة بإسقاط النظام قبل أن يجري قمعها بوحشية غير مسبوقة في التاريخ الحديث. واتهم خامنئي، الثوار، بأنهم "هاجموا الشرطة، والمراكز الحكومية، ومرافق "الحرس الثوري"، والبنوك، والمساجد، وأحرقوا نسخًا من القرآن"، معتبرًا أن ما جرى "كان أشبه بالانقلاب"، لكنه جزم بأن هذه المحاولة "جرى قمعها وفشلت".
ومع سعي طهران إلى التفاوض مع واشنطن وإبعاد شبح الحرب عن "نظام آيات الله"، أعرب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خلال مقابلة مع شبكة "سي أن أن" عن ثقته في "أننا نستطيع التوصل إلى اتفاق" مع أميركا في شأن برنامج طهران النووي، لكنه أشار إلى أنه "للأسف، فقدنا ثقتنا بأميركا كشريك تفاوضي"، إنما رأى أن تبادل الرسائل عبر دول صديقة في المنطقة كان يسهّل محادثات "مثمرة" مع واشنطن. ورفض التعهد بأن تنخرط إيران في محادثات مباشرة مع أميركا، مشددًا على ضرورة معالجة "جوهر المفاوضات" بدلًا من شكلها. وعند سؤاله حول ترسانة إيران الصاروخية وميليشياتها الإقليمية، اعتبر أن التركيز يجب أن ينصب بدلًا من ذلك على القدرات النووية الإيرانية، مشيرًا إلى أنه "دعونا لا نتحدث عن أمور مستحيلة".
وأكد عراقجي أن طهران تتوقع رفع العقوبات الأميركية، إضافة إلى احترام حق إيران في مواصلة تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية، حاسمًا أن بلاده ستكون مستعدة للحرب إذا فشلت المحادثات، كما حذر من أن أي صراع من المرجح أن يتجاوز حدود إيران. واعتبر أن الحرب "ستكون كارثة على الجميع"، جازمًا بأن القواعد الأميركية المنتشرة في أنحاء المنطقة ستكون أهدافًا للجيش الإيراني. وعند سؤاله عن رد النظام على الاحتجاجات الأخيرة، حمّل، كما جرت عادة مسؤولي النظام، "عناصر إرهابية" تتلقى أوامر من الخارج، مسؤولية تأجيج الاضطرابات واستجرار العنف، متهمًا "الموساد" بقيادة الاحتجاجات. وتباهى بأنه "بالطبع قمنا بسحق تلك العملية".
تزامنًا، اعتبر وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو أن أميركا "وضعت نفسها في موقع يمكّنها من إطلاق عملية عسكرية ضدّ إيران"، مؤكدًا أنها عرضت في الوقت نفسه مسارًا تفاوضيًا "يتعيّن على النظام اغتنامه، والقبول بتنازلات كبرى وتغيير جذري في النهج". وحسم أنه "على إيران أن تتوقف عن أن تكون مصدر تهديد لجوارها الإقليمي ولمصالحنا الأمنية، وعلى الشعب الإيراني أن يستعيد حريته"، داعيًا السلطات إلى "وضع حد للقمع، وإطلاق سراح السجناء، ووقف الإعدامات، وإعادة خدمة الإنترنت".
وكشف موقع "أكسيوس" أن إدارة ترامب أبلغت إيران عبر قنوات متعددة بأنها منفتحة على عقد لقاء للتفاوض على اتفاق، موضحًا أن تركيا ومصر وقطر تعمل على تنظيم لقاء بين المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف ومسؤولين إيرانيين كبار في أنقرة في وقت لاحق من هذا الأسبوع. ونقل عن مسؤولين في البيت الأبيض قولهم إن ترامب لم يتخذ قرارًا نهائيًا في شأن توجيه ضربة إلى إيران، ولا يزال منفتحًا على حل دبلوماسي. وأكدوا أن تصريحات ترامب الأخيرة في شأن المفاوضات ليست مجرّد مناورة، لكن أميركا لا تعرف ما إذا كان خامنئي سيمنح دبلوماسييه الإذن بإبرام اتفاق يكون مقبولًا بالنسبة إلى واشنطن.
وتحدّث "أكسيوس" عن أن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير زار واشنطن يومي الجمعة والسبت الماضيين، لإجراء محادثات مع رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية الجنرال دان كاين، حول احتمال توجيه ضربة لإيران، مشيرًا إلى أن الزيارة، التي جرت بعيدًا من الأضواء، هدفت إلى قيام الجانبين بإطلاع بعضهما على الخطط الدفاعية والهجومية في حال اندلاع حرب مع إيران.
وكشفت صحيفة "جيروزاليم بوست" أنه، حسب التقديرات الحالية، يعتقد زامير أن أي هجوم أميركي محتمل بات على بُعد يتراوح بين أسبوعين وشهرين، مشيرة إلى أن زامير عرض خلال زيارته إلى أميركا معلومات استخباراتية حديثة تشير إلى تقدم الجمهورية الإسلامية في إعادة بناء قدراتها العسكرية. وركّز زامير خصوصًا في تلك الاجتماعات وفي نقاشات حديثة داخل الجيش الإسرائيلي، على الزيادة في إنتاج الصواريخ الباليستية التقليدية، كما شدد أيضًا على المخاطر المترتبة على أي سيناريو قد تسمح فيه أميركا لإيران بالاحتفاظ بنحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصّب بنسبة عالية، إضافة إلى كميات كبيرة من اليورانيوم المخصّب بنسبة 20 في المئة.
وذكر مكتب وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الأخير عقد اجتماع عمل مع زامير، موضحًا أن "الجانبين يناقشان، في أعقاب سلسلة الاجتماعات التي عقدها رئيس الأركان أخيرًا في أميركا، جملة من القضايا، من بينها تقييم الوضع الإقليمي وجهوزية الجيش الإسرائيلي العملياتية لمواجهة أي سيناريو". كما عقد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو اجتماعًا أمنيًا مصغرًا بمشاركة كاتس، وزامير، ورئيس جهاز "الموساد" دافيد برنياع، تناول، من بين أمور أخرى، الملف الإيراني، حسب "القناة 13" الإسرائيلية. ونقلت "القناة 12" الإسرائيلية عن مصادر عسكرية أن الجبهة الداخلية أجرت أمس تدريبًا حاكى سقوط صواريخ إيرانية.
توازيًا، أفادت صحيفة "وول ستريت جورنال" بأن الضربات الجوية الأميركية على إيران ليست وشيكة لأن البنتاغون يعمل على نشر دفاعات جوية إضافية لحماية إسرائيل والحلفاء العرب والقوات الأميركية في حال ردّت إيران واندلع نزاع طويل الأمد. وأكد مسؤولون أميركيون أن الجيش الأميركي قادر على تنفيذ ضربات جوية محدودة ضدّ إيران إذا أصدر ترامب أمرًا بذلك حاليًا، لكن الهجوم الحاسم الذي طلب ترامب من الجيش الاستعداد له سيستدعي على الأرجح ردًا متناسبًا من إيران. وأوضحت الصحيفة الأميركية أن البنتاغون ينشر بطارية إضافية من منظومة "ثاد" وأنظمة "باتريوت" للدفاع الجوي في القواعد التي تتمركز فيها القوات الأميركية في أنحاء الشرق الأوسط، بما في ذلك الأردن والكويت والبحرين والسعودية وقطر. ويُعدّ نشر منظومة "ثاد" مؤشرًا قويًا بشكل خاص إلى استعداد أميركا لاحتمال نشوب صراع، إذ لا تمتلك واشنطن سوى سبع بطاريات تشغيلية، وقد تعرّضت هذه الوحدات لضغط كبير خلال العام الماضي.
كما بات لدى أميركا الآن ثماني مدمّرات ضمن مدى إسقاط الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، من بينها اثنتان قرب مضيق هرمز، وثلاث في شمال بحر العرب، وواحدة قرب إسرائيل في البحر الأحمر، واثنتان في شرق البحر المتوسط. وأفادت القيادة المركزية الأميركية بأن المدمرة "يو أس أس ديلبرت دي بلاك" غادرت ميناء إيلات في إسرائيل، عقب زيارة مقرّرة للميناء، أمس، موضحة أن الزيارة المينائية "تُظهر الشراكة البحرية القوية بين أميركا وإسرائيل، والالتزام المشترك بتعزيز الأمن والازدهار في البحر الأبيض المتوسط، وخليج العقبة، والبحر الأحمر".
وفيما كانت قناة "برس تي في" الإيرانية الرسمية قد ذكرت الأسبوع الماضي أن القوات البحرية التابعة لـ "الحرس الثوري" ستجري تدريبات بالذخيرة الحية في مضيق هرمز يومي أمس واليوم، نفى مسؤول إيراني لوكالة "رويترز" ذلك، حاسمًا أنه لم يكن هناك أي خطة لدى "الحرس" لإجراء تدريبات عسكرية هناك، ولم يصدر أي إعلان رسمي في هذا الشأن، إنما هي مجرّد تقارير إعلامية خاطئة.
وبعدما أدرج الاتحاد الأوروبي "الحرس" في لائحته للمنظمات الإرهابية، أعلن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، لزملائه النواب، الذين ارتدوا جميعًا زي "الحرس"، أن إيران تعتبر جيوش دول الاتحاد الأوروبي التي أدرجت "الحرس"، "جماعات إرهابية"، معتبرًا أنه "بمحاولتهم ضرب "الحرس"... أطلق الأوروبيون النار على أقدامهم، واتخذوا مرة أخرى قرارًا ضد مصالح شعوبهم بطاعتهم العمياء للأميركيين". وتحدّث عن أن اللجنة البرلمانية المعنية بالأمن القومي ستناقش طرد الملحقين العسكريين لدول الاتحاد الأوروبي وستتابع المسألة مع وزارة الخارجية، في وقت هتف فيه النواب "الموت لأميركا، الموت لإسرائيل، عار عليكِ يا أوروبا". واعتبر "الحرس" أن قرار الاتحاد الأوروبي يعقد "مسار التعامل والتعاون البناء"، ويعزز "نهج المواجهة".
في الغضون، أفاد موقع "هرانا" بأنه جرى إعدام 11 سجينًا في سجون أراك، ونائين، وقزوين، وأردبيل، وقم، وبروجرد، وسنندج، ونوشهر، وتبريز، وبندر عباس، وسمنان، بتهم موجهة لهؤلاء شملت القتل وجرائم مرتبطة بالمخدرات، فيما أفرجت السلطات الإيرانية بكفالة عن المتظاهر عرفان سلطاني (26 عامًا) السبت، حسبما أفاد محاميه أمير موسى خاني، بعدما حذرت واشنطن من أنه يواجه خطر الإعدام، الأمر الذي نفته طهران. وقال المحامي إن الشاب "أُطلق سراحه واستعاد كافة متعلقاته الشخصية، بما في ذلك هاتفه المحمول"، موضحًا أن الإفراج جرى مقابل كفالة مالية قدرها مليارا تومان (نحو 12600 دولار).