سالي عبيد

عندما تكلم مسيحيو سوريا... تشريح زيف الحماية وفشل السياسة الدولية

11 دقيقة للقراءة

على مدى أكثر من عقد من الزمن، ظلّت مصائر المسيحيين في سوريا محاصرة بين روايتين ناقصتين: ادّعاء النظام بـ«حماية الأقليات»، واعتقاد الغرب بأن الاستقرار يمكن شراؤه عبر التسامح الصامت مع القوى الفاعلة على الأرض. وقد أثبت كلا التفسيرين قصورهما الحاد. فما يحدث اليوم ليس هامشيًا ولا عارضًا، بل هو تفكك استراتيجي لمجتمع كان جزءًا أساسيًا من النسيج الاجتماعي السوري، واختبار حقيقي لما إذا كانت المعايير الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والتعددية تحمل أي وزن عملي فعلي.

كان المسيحيون في سوريا موزعين تاريخيًا في مختلف أنحاء البلاد — من حلب في الشمال إلى المدن الساحلية اللاذقية وطرطوس، ومن دمشق وحمص إلى السهول الزراعية في الشمال الشرقي ومحافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية — متداخلين بعمق في الشبكات الحضرية والريفية والاقتصادية.¹ قبل عام 2011، قُدّر عددهم بنحو 1.5 مليون نسمة؛ وبحلول أواخر عام 2025، انخفض هذا العدد إلى قرابة 300 ألف فقط، نتيجة الحرب والنزوح والهجرة وانعدام الأمن. هذا الانخفاض لا يمثل مجرد تحوّل ديموغرافي، بل يعكس أزمة هيكلية أعمق، تتمثل في تآكل المؤسسات، ورأس المال الاجتماعي، والاستمرارية الثقافية التي شكّلت ركائز الهوية التعددية لسوريا.

ما يميّز المرحلة الراهنة عن السنوات السابقة من الصراع هو طبيعة الضغوط الواقعة على المجتمعات المسيحية، والتي لم تعد تقتصر على العنف المباشر، بل تمتد لتشمل التهميش المؤسسي، وتآكل الحماية القانونية، والإقصاء السياسي. ولم يعد من الممكن التقليل من شأن هذه الضغوط بوصفها عنفًا متقطعًا أو ضررًا جانبيًا للحرب؛ إذ إنها تكشف عن نمط استراتيجي من الهشاشة والطرد الممنهج. فالأدلة واضحة: كنائس ومقابر تتعرض للتخريب، رجال دين مهددون، أحياء تفقد سكانها، وتمثيل سياسي آخذ في التراجع.²

ويبرز مثال صارخ على ذلك في الهجوم الانتحاري الذي وقع في 22 يونيو/حزيران 2025 على كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة بدمشق، وأسفر عن مقتل ما لا يقل عن ثلاثين مصلّيًا وإصابة العشرات، في أعنف هجوم يستهدف المسيحيين في سوريا منذ أكثر من قرن.³ ورغم الثقل الرمزي الكبير لهذا الاعتداء، جاء رد الفعل السياسي العام باهتًا. وقد كشف الهجوم حقيقة جوهرية مفادها أن الجهات الفاعلة الفعلية في أجزاء من سوريا تفتقر، إما إلى القدرة أو إلى الإرادة، لتأمين حماية حقيقية للمجتمعات الضعيفة. وهو ما يستدعي إعادة تقييم جذرية لأي سياسة تقوم على افتراض أن «الاستقرار المحلي» يعني تلقائيًا حماية المدنيين.

ومثلما يُمارس العنف، يجري في الوقت نفسه ترسيخ حوافز مؤسسية تقوّض التعددية. ففي مطلع عام 2025، نصّ إعلان دستوري مؤقت على أن الإسلام هو دين رئيس الدولة، وأن الشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع، وهو ما وضع المسيحيين السوريين عمليًا في موقع قانوني وسياسي ثانوي. واعتماد مثل هذا التوجه من دون مشاركة مجتمعية واسعة يعكس غياب هياكل حكم شاملة، وثقافة سياسية تحترم التنوع بدل توظيفه أو استغلاله.

إن التهميش المؤسسي، إذا تُرك دون مواجهة، يُنتج آثارًا متسلسلة وخطيرة. فهو يضعف الثقة في الدولة، ويزيد من ضغوط الهجرة، ويقوّض أي ثقة محتملة في عملية سلام مستقبلية لا تضمن حماية التعددية. والنتيجة التي باتت جلية هي الارتفاع الحاد في رغبة الشباب المسيحي بمغادرة البلاد، ليس لأسباب اقتصادية فحسب، بل خوفًا على مستقبلهم ومستقبل أبنائهم. وتشير الدراسات وشهادات المجتمع المحلي إلى أن نسبة المسيحيين الذين يفكرون في الهجرة الدائمة ارتفعت بعد هجوم مار إلياس من نحو 50٪ إلى ما يقارب 90٪ خلال بضعة أشهر، وهو مؤشر صادم على حجم الانهيار الاجتماعي.

إن الاعتقاد بإمكانية استقرار سوريا عبر ترتيبات سطحية لتقاسم السلطة، أو انتخابات شكلية، أو اتفاقات برعاية خارجية، يبقى وهمًا خطيرًا ما لم تُعالج هذه الانقسامات العميقة. وعلى الغرب، على وجه الخصوص، أن يواجه حقيقة غير مريحة: إن دعم أو إضفاء الشرعية على سلطات تفشل في حماية الأقليات، أو تشارك في تهميشها، لا يؤدي إلى سلام مستدام، بل يحافظ على مظاهر النظام على حساب التماسك المجتمعي الحقيقي.

ورغم خصوصية الحالة السورية، فإن هذه الإشكالية ليست فريدة. ففي العراق بعد عام 2003، وفي أجزاء من أفغانستان عقب انسحاب الولايات المتحدة، شكّل انهيار المجتمعات الدينية مؤشرًا مبكرًا على فشل الدولة. وفي كلتا الحالتين، أخطأت الجهات الدولية في قراءة الحسابات السياسية بوصفها استقرارًا استراتيجيًا، وكانت النتائج كارثية. ويجب ألّا تتكرر هذه الأخطاء في سوريا.

إن التداعيات تتجاوز الحدود السورية. فإذا أمكن تدمير مجتمع ديني عريق من دون رد دولي حازم، فإن أسس منظومة حقوق الإنسان الدولية تتآكل. كما تتضرر مصداقية الغرب في الدفاع عن الحرية الدينية، والتعددية، والحكم القائم على المعايير، عندما تتغلب البراغماتية على المبادئ. وإلى جانب ذلك، تبرز تداعيات أمنية مباشرة، إذ تغذي الهجرة الجماعية أزمات لجوء إقليمية وأوروبية، في حين يمكن للسكان الذين يشعرون بالتهميش أن يصبحوا بيئة خصبة للتطرف في بلدان الشتات. فضلًا عن ذلك، فإن وجود أعداد كبيرة من اللاجئين يفرض أعباءً ثقيلة على الحكومات المستقبِلة، التي تُجبر على تخصيص عشرات المليارات من الدولارات لتأمين إسكانهم، وإعاشتهم، ورعايتهم الصحية، وتعليم بناتهم وأبنائهم، إضافة إلى المليارات التي تُنفق على برامج ومراكز إعادة التأهيل ومحاولات دمجهم والتوفيق بينهم وبين قيم المجتمعات المستقبِلة.

وتدرك الدول الأوروبية، التي تواجه بالفعل ضغوطًا سياسية متزايدة بفعل الهجرة، خطورة هذه الديناميكيات. فالتغيرات الديموغرافية، والتوترات الثقافية، وحالات عدم الاستقرار المحلي تجعل من غير الممكن تقييم السياسات المتصلة بالأزمة السورية من زاوية مكافحة الإرهاب أو التنافس بين القوى الكبرى فقط، بل تفرض النظر إليها من منظور آثارها الديموغرافية والاستراتيجية بعيدة المدى.

ويتعين، بالتالي، أن تقوم أي مقاربة دولية جادة تجاه سوريا على منظومة متكاملة من الأدوات لا تختزل الاستقرار في ترتيبات أمنية مؤقتة، بل تربطه بحماية التعددية والمساءلة. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى آليات دولية فعّالة لمراقبة ومحاسبة الانتهاكات المرتكبة بحق الأقليات، بما فيها المسيحيون واليزيديون وغيرهم من الفئات الضعيفة، على أن تكون هذه الآليات تحت إشراف الأمم المتحدة أو أطر متعددة الأطراف تمتلك صلاحيات حقيقية. ولا يكفي الاكتفاء ببيانات الإدانة، بل لا بد من الانتقال إلى إجراءات ملموسة تشمل فرض عقوبات محددة على الأفراد والجهات المسؤولة عن الهجمات على المدنيين ودور العبادة، بالتوازي مع دعم مؤسسات سيادة القانون القادرة على حماية جميع المواطنين على قدم المساواة.

كما ينبغي ربط أي عملية تطبيع أو انخراط دبلوماسي مع السلطات السورية بإصلاحات قانونية ودستورية واضحة وقابلة للتحقق. فالنصوص التي تمنح امتيازًا لدين واحد أو لمنظومة فقهية بعينها على حساب بقية المكونات تقوّض مبدأ المواطنة المتساوية، ولا بد من تعديلها بما ينسجم مع نموذج دولة شاملة، مدنية، ومتوافقة مع معايير حقوق الإنسان الدولية، لا تُدار بمنطق الغلبة العددية، ولا تُشرعن التمييز تحت مسميات ثقافية أو دينية.

وإلى جانب ذلك، يشكل دعم مؤسسات المجتمع المدني وتعزيز التمثيل الحقيقي للأقليات عنصرًا حاسمًا في إعادة بناء الثقة. فقد انحازت السياسات الدولية، لسنوات طويلة، إلى التعامل مع الفاعلين الأقوى عسكريًا أو سياسيًا، على حساب الفاعلين المدنيين المحليين الذين يجسدون قيم التعددية والعيش المشترك. إن تمكين المجالس المحلية، ومنظمات حقوق الإنسان، والمبادرات الحوارية العابرة للهويات، يفتح المجال أمام قنوات سياسية بديلة لا تقوم على الإكراه ولا تخضع لميزان السلاح.

ولا يقل أهمية عن ذلك تحويل حماية التراث الثقافي والديني من خطاب رمزي إلى سياسة عملية. فالتدمير المنهجي للكنائس والمقابر والمواقع التاريخية لا يستهدف الحجر فحسب، بل يضرب الذاكرة الجمعية والوجود النفسي للمجتمع ذاته. ويتطلب هذا التزامًا دوليًا بتمويل برامج الحفظ والترميم والتوثيق، مقرونًا بضغط دبلوماسي جاد لمنع تكرار أعمال التخريب ومحاسبة المسؤولين عنها. وفي السياق نفسه، لا بد من إعادة صياغة سياسات التعامل مع اللاجئين والنازحين داخليًا على أساس الكرامة، وحرية الاختيار، والعودة الطوعية عندما تتوافر شروط الأمان الفعلي. فالمقاربات التي تتعامل مع النزوح بوصفه واقعًا دائمًا تسهم، ولو بصورة غير مباشرة، في تفكيك المجتمعات الأصلية وتسريع إفراغ البلاد من مكوناتها التاريخية، بدل أن تكون جزءًا من حل مستدام يعيد وصل ما انقطع في البنية الاجتماعية السورية.

إن الفشل في التحرك ضمن هذه المسارات سيؤدي إلى تداعيات تتجاوز سوريا نفسها. فالمنطقة برمتها ستصبح أكثر تجانسًا طائفيًا، بما يقوض أسس المجتمعات متعددة الهوية ويزيد من احتمالات الصراعات المتكررة. وبالنسبة للغرب، يعني ذلك انخراطًا أعمق في أزمات جيوسياسية معقدة، وتحديات سياسية داخلية متصاعدة، في ظل موجات نزوح واضطرابات متكررة.

على المستوى الروحي، سيكون اختفاء المسيحية من سوريا خسارة فادحة لتقليد تاريخي عريق. وعلى المستوى السياسي، سيشكل ذلك فشلًا للمنظومة الدولية في حماية القيم التي تدّعي الدفاع عنها. أما على المستوى الاستراتيجي، فسيكون فرصة ضائعة لإعادة تشكيل سوريا ما بعد الصراع كدولة ترى في التنوع مصدر قوة، لا مشكلة تُدار بالقوة.

وسيحكم التاريخ، في نهاية المطاف، ليس فقط على مرتكبي العنف والتمييز، بل أيضًا على أولئك الذين اختاروا الصمت. وإذا واصل المجتمع الدولي التعامل مع المسيحيين في سوريا بوصفهم مسألة ثانوية قياسًا بالمصالح الجيوسياسية أو الاستقرار قصير الأمد، فإنه سيصبح شريكًا في محو مجتمع كامل، وفي تآكل النظام الدولي الليبرالي ذاته.

الدرس واضح: لا يمكن بناء سلام دائم على أساس الإقصاء، والاستقرار من دون شمولية ليس سوى وهم. فالمسيحيون في سوريا ليسوا جماعة عادية بين جماعات كثيرة، بل إن مصيرهم يشكّل مؤشرًا حاسمًا على ما إذا كانت سوريا الجديدة ستبقى منفتحة ومتعددة، أم ستنغلق على نفسها وتتحول إلى كيان أحادي. وعلى السياسة الغربية أن تعيد ضبط بوصلتها وفق هذه الحقيقة: لم يعد التركيز على موازين القوة كافيًا، فالتحدي الحقيقي يكمن في حماية الأسس البشرية التي يقوم عليها أي نظام مستدام.




  






مختصة بالاتصال السياسي والحوكمة الرقمية


المراجع

1. Syria one year after Assad: Religious minorities, The House of Commons Library. Accessed January 31, 2026. https://commonslibrary.parliament.uk/research-briefings/cbp-10429/

2. Seizing an Opportunity or Reacting to a Threat? Analysing the Syrian Intervention in Lebanon Through the Lens of the Asad Regime's Ontological Security, Taylor & Francis. Accessed January 31, 2026. https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/13698249.2025.2536962?src=

3. الكاردينال ماريو زيناري، “كل الجماعات دفعت ثمناً باهضاً من الدماء.. أتمنى أن يتحد الجميع لبناء سوريا”, YouTube. Accessed January 31, 2026. https://www.youtube.com/watch?v=sf25Cj5c0_8

4. الكاردينال ماريو زيناري، كلمة السفير البابوي في سوريا خلال القداس الذي أقيم في كنيسة الزيتون, YouTube. Accessed January 31, 2026. https://www.youtube.com/shorts/Bm1CgqS_nLk

5. Majoritarian Syria: Justice in Conflict Resolution, Presses de l'Ifpo – Open Edition Books. Accessed January 31, 2026. https://books.openedition.org/ifpo/27898

6. Mar Elias Church attack, Wikipedia. Accessed January 31, 2026. https://en.wikipedia.org/wiki/Mar_Elias_Church_attack

7. Syria 2025 In Review: A Year of Violence and Uncertainty, International Christian Concern. Accessed January 31, 2026. https://persecution.org/2026/01/15/syria-2025-in-review-a-year-of-violence-and-uncertainty/

8. Syria one year after Assad: Religious minorities – Library material, PolicyMogul. Accessed January 31, 2026. https://policymogul.com/library-material/3312/syria-one-year-after-assad-religious-minorities?or=undefined

9. رسائل تهديد تُكتب على جدران كنائسٍ في ريف دمشق .. هل أصبح المسيحيون في سوريا هدفاً جديداً?, YouTube. Accessed January 31, 2026. https://www.youtube.com/watch?v=Dibnqc6mvRs

10. كنائس دمشق تتحدّى الخوف وتواصِل قداديسها بعد التفجير الأخير, Acimena. Accessed January 31, 2026. https://www.acimena.com/news/5943/knays-dmshk-tthdw-alkhof-otoasil-kdadysha-baad-altfgyr-alakhyr

11. European Syriac Union, “Christians in Syria Face Escalating Violence and Systematic Discrimination: SSRC 2025 Report”, accessed January 31, 2026. https://www.european-syriac-union.org/2025/11/christians-in-syria-face-escalating-violence-and-systematic-discrimination-ssrc-2025-report