ماريو ملكون

هل غادر الشيخ نعيم قاسم التاريخ؟

4 دقائق للقراءة

كأنّ الأمين العام لـ"الحزب" بات خارج التاريخ، بكلّ ما للكلمة من معنى. يُعاكس المنطق، يُناقض الوقائع، والأكثر غرابة أنّه يرمي ما فيه على غيره. وقد جاءت كلمته، أمس الثلاثاء، لتُكرّس هذا التوصيف.

أولاً، قال الشيخ نعيم: "ليس صحيحاً أن يُقال إنّ هناك حزباً مستهدفاً وطائفة مستهدفة. إنّ هذا الاستهداف هو استهداف لكلّ الوطن. وإلّا فما معناه أنّنا في وطن واحد ونمشي تحت دستور واحد؟ يجب أن نكون مع بعضنا في السراء والضرّاء. على الجميع أن يتصدّى للعدوان الإسرائيلي".

ويبدو أنّ الشيخ نعيم تناسى تاريخ ٨ تشرين الأول ٢٠٢٣، حين اتّخذ حزبه قرار فتح الجبهة "العبثية" تحت ذريعة "إسناد غزة"، من دون العودة إلى الدولة أو إلى اللبنانيين. فأين كان الدستور الواحد؟ وأين اختفت وحدة الحال في السراء والضرّاء؟

ثانيًا، استكمل الشيخ نعيم كلامه من خارج التاريخ قائلاً: "نحن حاضرون لمناقشة كيفية صدّ العدوان، وهذا يحتاج إلى نقاش مع الأطراف المختلفة، لأنّ هذا موضوع وطني وليس موضوعاً يخصّنا وحدنا".

فأين كان هذا النقاش الوطني مع كلّ الأطراف عند استجرار الحرب بالأمس؟ وأين هو اليوم في التلويح بالدخول في حرب جديدة دفاعاً عن النظام الإيراني؟ أم أنّ قرار التخريب يخصّ "الحزب" وحده، فيما تقع لملمة نتائجه على عاتق الجميع؟

ثالثًا، دعا الشيخ نعيم إلى "عدم مساعدة العدو وعدم تكرار تجربة الماضي الفاشلة والمخزية والخاسرة، لأنّ هناك أناساً ظنّوا أنّهم يستطيعون الاستنجاد بالعدو وأخذ مكتسبات على حساب الداخل اللبناني. انتهينا، وتبيّن أنّ هذه الطريقة لا تنفع".

ألا يعلم الشيخ نعيم أنّ التاريخ الحديث أثبت أنّ استنجاد بيئته بالنظام الإيراني يوم كانت تُقصف هو الذي ثبت فشله، فيما كانت باقي البيئات اللبنانية تُضمّد جراح ناسه؟ وهل فاته أنّ التجربة الفاشلة والمخزية والخاسرة تمثّلت بسقوط سرديّات محوره بأكملها، وأنّ إصراره على السير في طريق الدويلة يقود "الشيعة في لبنان" إلى النهاية؟

رابعًا، ظنّ الشيخ نعيم أنّه يفضح أمراً عظيماً بقوله: "أتعلمون ما الذي طُلب منّا حين أعلن قائد الجيش أنّه انتهى من مرحلة جنوب نهر الليطاني؟ طُلب منّا إصدار بيان. يريدون أن يأخذوا منّا أي كلمة ليحمّلونا مسؤوليات نحن لا نتحمّلها".

هنا أيضًا، يبدو أنّ رزنامة الشيخ نعيم لا تتضمّن تاريخ 27 تشرين الثاني 2024، حين وقّع حزبه، عبر حكومته وبرعاية "الأخ الأكبر"، على الالتزام بالترتيبات الأمنية التي نصّت على نزع السلاح وتفكيك البُنى العسكرية والأمنية على كامل الأراضي اللبنانية. وهل يعتقد الشيخ نعيم أنّ قفزه العجيب فوق كلّ هذه التواريخ قادر على إلغائها؟

خامسًا، حسم الشيخ نعيم موقفه قائلاً: "نقول بين السلّة والذلّة، هيهات منّا الذلّة. لن نرضى. بين الذلّة والشهادة نحن مع الشهادة، فليفهموا موقفنا بشكل واضح، ولا داعي أن يتعبوا أنفسهم".

هذا كلام خارج أي منطق، فما تبقّى من كوادر حزبه يتساقط يوميًا، وما تبقّى من منازل بيئته يتهدّم يوميًا. فهل من ذلّة أشدّ قسوة بعد؟ في أي زمن يعيش؟

سادسًا، يجزم الشيخ نعيم بأنّ حزبه "يعمل على بناء الدولة".

فأيّ دولة يقصد؟ حتمًا ليست الدولة اللبنانية التي دمّر كلّ مقوّمات قيامها، ولا يزال يصرّ على منع تنفيذ دستورها عبر تمسّكه بسلاحه غير الشرعي. وحتماً لا يتحدّث عن تاريخ لبنان الحديث، الذي يشهد أنّ أكبر عائق أمام قيام الدولة الفعلية والحقيقية هو الذراع الإيرانية المسلّحة في لبنان.

سابعًا، يجاهر الشيخ نعيم بقوله: "من يهددنا بأنّ العدو يستطيع إيلامنا، نقول له إنّنا نستطيع إيلام العدو، ولكن كلّ شيء في وقته".

وكأنّه ما زال واقفًا على أطلال سلفه، في زمن "الوعود الإلهية" والعراضات الكلامية، وكأنّه لم يشهد مرحلة ما بعد جبهة الإسناد، ولم يرَ ما حلّ، وما يزال يحلّ، بحزبه وببيئته.

حان الوقت، يا شيخ نعيم، أن تعود إلى تاريخ لبنان وتقرأ جيدًا ما ارتكبه حزبك بحقّه. وحان الوقت أن تنظر إلى حاضر لبنان وتكفّ شرّ حزبك عنه، وأن تحجب وجهك وإطلالاتك عن مستقبل لبنان، لأنّ الشعب اللبناني سئم وجوه الخارجين عن الدستور، وعن التاريخ، وعن المستقبل الأكيد. عُدْ إلى رزنامة الواقع والوقائع، فالتاريخ لا يرحم، والواقع لا يسمح لك بوعظ الدولة، بل يفرض عليك الالتزام بسقفها وحدودها ودستورها.