القاضي أنطوان الناشف

المبادئ الدستورية لإجراء الانتخابات النيابية في موعدها المحدد

5 دقائق للقراءة

منذ إقرار اتفاق الطائف درجت العادة وقبل فترة قصيرة من استحقاق موعد الانتخابات النيابية أن يتقدم أحد النواب أو عدة نواب باقتراح قانون لتأجيل هذا الموعد لوجود ظروف استثنائية أو لعدم الاتفاق على قانون الانتخاب أو لمبررات أخرى، والمؤسف أن الأكثرية النيابية في كثير من الأحيان توافق على هذه الأسباب وتقر قانون التمديد بشكل مخالف لأبسط المبادئ الدستورية التي استقر عليها اجتهاد المجلس الدستوري في هذا الصدد.


ويمكن تحديد هذه المبادئ الدستورية كما يلي:

1 - إن المادة 21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نصت على أن إرادة الشعب هي مصدر السلطات، يعبر عنها بانتخابات نزيهة دورية تجرى على أساس الاقتراع السري وحرية التصويت، كما إن الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية والسياسية، التي انضم إليها لبنان في العام 1972، نصت على أن لكل مواطن الحق والفرصة في أن ينتخب ويُنتخب في انتخابات دورية على أساس من المساواة

2 - إن مقدمة الدستور جزء لا يتجزأ من الدستور وقد نصت على التزام لبنان بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان وبمواثيق الأمم المتحدة، وعلى تجسيد الدولة المبادئ الواردة فيها في جميع الحقول والمجالات دون استثناء كما نصت على أن الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية    

3 - إن مبدأ دورية الانتخاب مبدأ دستوري لارتباطه بمبدأ انبثاق السلطة من الشعب وخضوعها للمحاسبة في الانتخابات، التي هي عنصر أساسي في الأنظمة الديمقراطية

إن الانتخابات النيابية هي الوسيلة الأساسية لتحقيق الديمقراطية البرلمانية، وهي تفسح في المجال أمام المواطنين للتعبير عن إرادتهم في اختيار من يمثلهم وبالتالي فإن الانتخابات الحرة والنزيهة هي الوسيلة الوحيدة لانبثاق السلطة من الشعب وهي أساس الديمقراطية البرلمانية. كما إن مبدأ التنافس في الانتخابات هو الأساس والقاعدة في الأنظمة الديمقراطية 

4 - إن شرعية مجلس النواب هي أساس شرعية السلطات في الدولة. وهذه الشرعية مستندة فقط إلى الانتخابات الحرة والنزيهة التي يجب أن تجرى في مواعيدها، ويعبر الشعب من خلالها عن إرادته ويحاسب من مثله في مجلس النواب، ويحدد خياراته ما يتطلب الالتزام الصارم بدورية الانتخاب والتقيد بمدة الوكالة النيابية.

 5 - إن مقدمة الدستور نصت على أن الالتزام قائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها، وأن الالتزام بهذا المبدأ يقتضي تقيد كل من السلطات بالمدة الزمنية التي تمارس وظائفها في إطارها، أي تقيد مجلس النواب بمدة الوكالة النيابية، وضمن هذا المجال فقد نصت المادة 27 من الدستور على أن عضو مجلس النواب يمثل الأمة جمعاء ولا يجوز أن تربط وكالته بقيد أو شرط من قبل منتخبيه. إن الوكالة النيابية غير مقيدة يمارس بموجبها النائب مهامه كما يرى مناسبًا، مما يستوجب تحديد مدتها الزمنية وفقًا لمبدأ التوازن في هذه الوكالة  

 إن التوازن في الوكالة النيابية غير المقيدة قائم على عنصرين أساسيين: عدم تقييد الوكالة النيابية وترك النائب يتصرف وفق اقتناعاته أثناء ولايته من جهة وانتهاء الوكالة عند انتهاء الولاية والعودة إلى الشعب، مصدر السلطات، لكي يعبر عن إرادته في انتخابات جديدة من جهة أخرى، ويالتالي فإن تمديد ولاية مجلس النواب بقرار منه يؤدي إلى إخلال بالتوازن الذي قامت عليه الوكالة النيابية، ويتعارض بالتالي مع مفهوم الوكالة النيابية التي نصت عليه المادة 27 من الدستور.

6 - إن المادة 44 من الدستور نصت على إمكانية نزع الثقة من رئيس مجلس النواب ونائبه بعد عامين من انتخابهما عند بدء ولاية المجلس، ما قد يؤشر إلى اأن ولاية المجلس، وفق الدستور، محددة بأربع سنوات، وقد درج لبنان منذ زمن بعيد على تحديد ولاية المجلس بأربع سنوات، وهي مدة الوكالة النيابية، لذلك فإن تمديد ولاية المجلس تتعارض مع الدستور من حيث المبدأ.

7 - ان تطبيق نظرية الظروف الاستثنائية يتطلب أسبابًا موضوعية حقيقية وظاهرة، تحول دون تأمين الانتظام العام من خلال تطبيق القوانين العادية، كما إن الظروف الاستثنائية تتحدد في المكان والزمان، مما يستوجب أن تكون حالة الضرورة مقيدة في حدود المدة الزمنية التي ترتبط بتلك الحالة، وبما أنه إذا كان يعود للمشترع أن يقدر وجود ظروف استثنائية تستدعي منه سن قوانين لا تتوافق وأحكام الدستور، في حدود المدة التي تستوجبها هذه الظروف، فإن ممارسته لهذا الحق تبقى خاضعة لرقابة المجلس الدستوري.

إن إجراء الانتخابات النيابية دوريًا هو من أركان الانتظام العام، ولا يجوز بالتالي التفريط بها بحجة الظروف الاستثنائية، لذلك تبرر الظروف الاستثنائية المستندة إلى الوقائع الصحيحة المبررة لها تأجيل الانتخابات لمدة محدودة تزول معها الظروف الاستثنائية.

8 - إن الانتخابات النيابية استحقاق دستوري يجب إجراؤه في موعده، ولا يجوز ربط إجراء الانتخابات النيابية بالتوافق على قانون انتخاب جديد، وفي هذا الصدد لا يجوز التحجج بالميثاقية لتأجيل الانتخابات وتمديد ولاية المجلس، لأن ذلك يؤدي إلى تقويض الأسس التي قام عليها الميثاق الوطني، وبالتالي تقويض التعهدات الوطنية والنظام والدولة، كما لا يجوز ربط إجراء الانتخابات النيابية بالتوافق على قانون انتخاب جديد أو بالتوافق على اجرائها.

بالخلاصة واستنادًا الى المعطيات الواقعية والقانونية والمبادئ الدستورية المحددة أعلاه أكدت قرارات المجلس الدستوري عدم دستورية أي قانون يتعلق بتمديد ولاية المجلس النيابي ووجوب التقيد الدائم بالضوابط التالية :

 إن دورية الانتخابات مبدأ دستوري لا يجوز المس به مطلقًا.

إن ربط إجراء الانتخابات النيابية بالاتفاق على قانون انتخاب جديد، أو بأي اعتبار آخر، عمل مخالف للدستور.

 إن التدابير الاستثنائية في حال التأكد من وجودها ينبغي أن تقتصر على المدة التي توجد فيها ظروف استثنائية فقط.

وجوب إجراء الانتخابات النيابية فور انتهاء الظروف الاستثنائية وعدم انتظار انتهاء الولاية الممددة.