"جولة حذرة" بين واشنطن وطهران... مسقط تختبر النيات على وقع تهديد القوة

5 دقائق للقراءة

اختتم المفاوضون الأميركيون والإيرانيون جولة محادثات في مسقط أمس، كانت عبارة عن "جسّ نبض" أميركي لمدى جدّية طهران واستعدادها لحلّ الخلافات الجوهرية العالقة بينهما، واختبار نيات بين الطرفين للتمهيد لجولة ثانية من المحادثات إذا ما رأى الأميركيون ضرورة لاستكمال هذا المسار حاليًا، بعد إجراء المشاورات والتقييمات اللازمة في كلّ من واشنطن وطهران. لكن لا يبدو أن ملالي طهران مستعدّون لتقديم "التنازلات الدسمة" التي يطلبها منهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إذ بيّنت المواقف الرسمية الإيرانية وتقارير إعلامية أن طهران لا تزال متمسّكة بمواقفها وخطوطها الحمر، ما يعني عمليًا أن احتمال توجيه أميركا ضربة عسكرية ضدّ النظام الإيراني ما زال قائمًا وواردًا في أي لحظة، في وقت فرضت فيه واشنطن عقوبات جديدة على إيران بعيد انتهاء المحادثات، علمًا أن السفارة الأميركية الافتراضية في إيران طالبت جميع الأميركيين بـ "مغادرة إيران الآن".

اكتفى وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، الذي تولّى مهمة نقل الرسائل بين وفدي أميركا وإيران، بالتأكيد أنه جرت "محادثات جدية للغاية"، إذ "كان من المفيد توضيح طريقة تفكير الجانبين الإيراني والأميركي، وتحديد المجالات التي يمكن إحراز تقدم فيها"، مشيرًا إلى أنه "نهدف إلى الاجتماع مجددًا في الوقت المناسب، على أن تُدرس النتائج بعناية في واشنطن وطهران". ومثل واشنطن في المفاوضات المبعوث ستيف ويتكوف، وصهر الرئيس الأميركي جاريد كوشنر، كما كان معبّرًا حضور قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر ضمن الوفد الأميركي، فيما ضم الوفد الإيراني وزير الخارجية عباس عراقجي وعددًا من نوابه. وحذر مصدر دبلوماسي إيراني عبر وكالة "رويترز"، من أن وجود مسؤولين عسكريين من القيادة المركزية الأميركية أو أي قيادة عسكرية إقليمية أخرى، قد يُهدّد "المحادثات النووية غير المباشرة" بين إيران وأميركا. بالتوازي، تحدّثت وسائل إعلام أميركية عن أن ويتكوف وكوشنر التقيا عراقجي وجهًا لوجه.

وأكد عراقجي أنه "عقدنا... محادثات مكثفة وطويلة، امتدت من الساعة العاشرة صباحًا حتى قرابة السادسة مساءً، حيث جرى تنظيم جولات عدة من الاجتماعات غير المباشرة"، حاسمًا أنه جرت مناقشة الملف النووي حصرًا. واعتبر أن المحادثات "كانت بداية جيّدة، لكن استمرارها يعتمد على المشاورات في عاصمتينا وعلى اتخاذ قرار في شأن كيفية المضي قدمًا". وذكر أنه شدد للأميركيين على أن المفاوضات "يجب أن تجري في أجواء هادئة، ومن دون توتر أو تهديدات"، موضحًا أن "هناك تفاهمًا على مواصلة المحادثات، وإذا استمرت العملية، أعتقد أننا سنتوصل إلى إطار عمل جيّد لتفاهمات". وتوجّه عراقجي بعيد المفاوضات إلى الدوحة، حسب وكالة "تسنيم"، التي أوضحت أنه من المقرّر أن يجري عراقجي محادثات مع رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن، في حين أفاد "أكسيوس" نقلًا عن مسؤول أميركي بأن جولة ثانية من المحادثات بين أميركا وإيران متوقعة خلال الأيام المقبلة.

وأبلغ دبلوماسي إقليمي "رويترز" بأن إيران رفضت دعوات أميركا إلى وقف تخصيب اليورانيوم على أراضيها خلال المحادثات، لكنها أبدت استعدادها لمناقشة "مستوى ونقاء" التخصيب أو تشكيل تحالف إقليمي لإدارة هذا الملف. وذكر أن طهران تعتقد أن المفاوضين الأميركيين "بدا أنهم يتفهمون موقف إيران من التخصيب... وأبدوا مرونة تجاه مطالب طهران"، لافتًا إلى أن القدرات الصاروخية الإيرانية لم تُناقش خلال المحادثات. وأكدت "وول ستريت جورنال" أن طهران تمسّكت برفضها إنهاء تخصيب الوقود النووي أو نقله إلى خارج البلاد خلال محادثات مسقط، لكن الجانبين أشارا إلى استعدادهما لمواصلة العمل من أجل التوصل إلى حل دبلوماسي قد يجنب ضربة أميركية. ونقلت الصحيفة الأميركية عن أشخاص مطلعين على المحادثات أن أيًا من الطرفين لم يغيّر كثيرًا من موقفه الأولي، مشيرة إلى أن إيران أكدت خلال المحادثات أنها لن تتفاوض في شأن صواريخها ودعمها للميليشيات إلّا مع قوى إقليمية.

وبعيد انتهاء محادثات مسقط، فرضت الخارجية الأميركية عقوبات على 15 كيانًا و14 سفينة من "أسطول الشبح" الإيراني لارتباطهم بالتجارة غير المشروعة في النفط والمنتجات النفطية والبتروكيماوية الإيرانية المنشأ، موضحة أنه "بدلًا من الاستثمار في رفاه شعبه وفي بنيته التحتية المتهالكة، يواصل النظام الإيراني تمويل أنشطة مزعزعة للاستقرار حول العالم، ويصعّد من قمعه داخل إيران"، في وقت استعرضت فيه أميركا قوتها العسكرية في بحر العرب، إذ أوضحت القيادة المركزية الأميركية أن مجموعة حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" أبحرت برفقة سفينتي إمداد عسكريتين وقطعتين تابعتين لخفر السواحل الأميركي في بحر العرب، بالتزامن مع تحليق طائرات فوقها، مختتمة بيانها بشعار "السلام من خلال القوة!".

وكان لافتًا ما كشفته صحيفة "نيويورك تايمز" استنادًا إلى تحليل أجرته لصور الأقمار الاصطناعية، أن إيران قامت بإصلاح سريع لعدد من منشآت الصواريخ الباليستية التي تضرّرت في "حرب الـ 12 يومًا"، لكنها لم تُجرِ سوى إصلاحات محدودة للمواقع النووية الرئيسية التي تعرّضت للقصف، مع تسارع نسبي في الأشهر الأخيرة فقط. وأوضحت أن أعمال إصلاح أُنجزت خلال الأشهر القليلة الماضية في أكثر من 12 منشأة صاروخية، بما في ذلك مواقع إنتاج، مشيرة إلى أن تقييمات استخباراتية خلصت إلى أن إيران أعادت إلى حد كبير بناء برنامجها للصواريخ الباليستية منذ الحرب.