في بلدٍ اعتاد العتمة حتى كادت تُقدَّم على أنّها قدر لا يُردّ، يصبح التخريب جريمة موصوفة لا التباس فيها ولا تبرير. فما يُمارَس اليوم من محاولات منهجية لإغراق لبنان مجدداً في الظلام ليس اختلافاً تقنياً ولا حرصاً رقابياً، بل فعل عدائي مباشر ضد أي محاولة جدية لانتشال قطاع الكهرباء من الانهيار، وضد الناس الذين دفعوا كلفة الفشل المزمن من أعصابهم وصحتهم وأموالهم.
تحسّن فعلي بالأرقام لا بالشعارات
خلافاً لكل حملات التضليل، شهد عام 2025 تحسّناً ملموساً في التغذية الكهربائية مقارنة بعامي 2023 و2024. فبعد أن كانت ساعات التغذية لا تتجاوز ساعتين إلى أربع ساعات يومياً في معظم المناطق، ارتفعت في عام 2025 إلى ما بين ثماني وعشر ساعات يومياً، مع تفاوت طبيعي بين منطقة وأخرى.
والأهم أنّ هذا التحسّن لم يتحقق عبر استنزاف خزينة الدولة أو تحميلها أعباء إضافية، بل نتيجة تحسين الجباية ونزع التعديات على الشبكة وخفض الهدر وضبط آليات الشراء والتوزيع. أي أنّ الكهرباء تحسّنت لأن الإدارة تحسّنت، لا لأن المال العام صُرف بلا حساب.
فوزي مشلب: التخريب تحت ستار الحرص
في صلب هذه الحملة التخريبية يبرز اسم فوزي مشلب، الذي حاول مراراً وتكراراً تعطيل عملية شراء الفيول بهدف واحد لا لبس فيه وهو إغراق لبنان بالعتمة الشاملة. استخدم تارة ذريعة العقوبات المفروضة على روسيا، وطوراً راح يفسّر هذه العقوبات على هواه، متجاهلاً نصوصها الواضحة وتطبيقاتها العملية.
ولم يكتفِ بذلك، بل لجأ إلى الوشاية لدى المصرف المراسل في محاولة لدفعه إلى التوقف عن التعامل مع وزارة الطاقة، في خطوة لو كُتب لها النجاح لكانت قد شلّت قطاع الطاقة بالكامل. غير أنّ المصرف، وبعد مراجعة قانونية دقيقة، رفض الانجرار خلف هذه الادعاءات لكونها خاطئة قانوناً ولا تستند إلى أي خرق فعلي لنظام العقوبات.
وبنتيجة هذا السلوك المتعمّد، بات مشلب اليوم مطلوباً للعدالة في لبنان بعدما ادّعى عليه المدعي العام التمييزي بجرائم التسبب المتعمّد بعرقلة مرفق عام والتحريض على الإضرار بالأمن الاقتصادي ومحاولة الإضرار بمصالح الدولة المالية. ولو صحّ منطق مشلب وتوقّف المصرف عن التعامل، لما توقّف استيراد فيول الكهرباء فحسب، بل لتوقّف استيراد البنزين وسائر المحروقات، ما كان سيُدخل لبنان في شلل كامل لا مجرّد أزمة كهرباء.
المال في الجيب لا المال العام
ثم تبيّن أنّ غيرة مشلب المزعومة على المال العام ليست سوى قناع رقيق لمصلحة شخصية واضحة. إذ ظهر أنّه يسعى إلى تقاضي 30 في المئة من قيمة أي غرامات تنتج عن وشاية منه، وهو حق قانوني للمخبر لدى الجمارك. غير أنّ هذا الواقع يفضح الدافع الحقيقي، وهو تحصيل المال لنفسه لا حماية المال العام.
سقوط ذريعة العقوبات والانتقال إلى تضليل جديد
وعندما اتّضح بشكل قاطع أنّ نظام العقوبات على روسيا لم يُخترق، انتقل مشلب إلى اتهام آخر، مدّعياً أنّ وزارة الطاقة تدفع ثمناً أعلى من السعر المفترض للفيول وتهدر أموال الدولة.
غير أنّ الوقائع القانونية والعملية تدحض هذا الادعاء. فالعقوبات تسمح للجهة الروسية بتقاضي مبلغ محدد بسقف مالي معيّن. لكن عندما يتم تخزين النفط أو معالجته في بلد ثالث، يصبح هذا البلد هو بلد المنشأ ويُسمح له ببيع النفط بسعر السوق العالمي، شرط أن يبقى المبلغ الذي تتقاضاه الجهة الروسية ضمن حدود العقوبات.
وهذا تماماً ما حصل في المناقصة التي أُجريت لصالح كهرباء لبنان، إذ تمّ شراء الفيول من مصدر تركي وفق الأصول المعتمدة، وهو مسار جرى العمل به في سنوات سابقة من دون أي إشكالية قانونية. أمّا في الحالات النادرة التي ثبت فيها تزوير أو تلاعب، فقد فُرضت غرامات على الشركات المورّدة، ما يؤكد أنّ آليات الرقابة والمحاسبة كانت قائمة وفعّالة، لا غائبة كما حاول البعض الإيحاء.
منظومة تضليل التيار وسقوط الأقنعة
لم تكن قصة الوشاية سوى حلقة إضافية في مسار متكامل من التضليل السياسي المنهجي، قادته شخصيات عملت في صلب السلطة خلال العهد السابق، وتحديداً في محيط رئيس الجمهورية آنذاك ميشال عون. فبطل هذه القصة، الذي شغل موقع مستشار للشؤون الجمركية، لم يكن حالة فردية أو تصرّفاً معزولاً، بل نتاج منظومة ادّعت محاربة الفساد فيما كانت تمارس تضليل الرأي العام واستثمار الملفات الحساسة لأهداف سياسية وشخصية.
هذه المنظومة، المرتبطة عضوياً بـ التيار الوطني الحر، نسجت خلال السنوات الماضية شبكة علاقات عابرة للحدود تمتد بين لبنان وفرنسا، وتضم بعض من يُقدَّمون كخبراء وحقوقيين وقضاة، جرى توظيفهم في إنتاج سرديات إعلامية وقضائية تُخفي الحقائق أكثر مما تكشفها، وتشوّه الوقائع بدل محاسبة المرتكبين.
غير أنّ اللحظة التي سقط فيها القناع كانت عند انتقال الملف من الاستثمار السياسي إلى المساءلة القضائية. فما إن ادّعى القضاء على فوزي مشلب وصدرت بحقه مذكرة بحث وتحرٍّ، حتى سارع رئيس التيار نفسه إلى التنصّل العلني منه نافياً أي صلة أو معرفة أو دور استشاري مقرّب، في محاولة واضحة لرمي العبء كاملاً على شخص واحد بعدما انتهت وظيفته.
والأكثر دلالة أنّ هذا التنصّل تزامن مع فرار مشلب إلى خارج البلاد قبل توقيفه، في مشهد يختصر جوهر هذه المنظومة التي تستخدم الأفراد كأدوات في معارك التضليل ثم تتخلّى عنهم فور تحوّلهم إلى عبء قضائي. وهكذا سقطت شعارات الإصلاح ومحاربة الفساد عند أول اختبار فعلي للمحاسبة.
ما يجري ليس سجالاً قانونياً ولا نقاشاً تقنياً بريئاً، بل محاولة تخريب موصوفة لضرب أي تحسّن في قطاع الكهرباء، لأن هذا التحسّن يفضح من بنوا أدوارهم السياسية على الفشل الدائم.
الكهرباء تحسّنت حين أُدير الملف بعقل الدولة، وستتحسّن أكثر حين يُحاسَب كل من حاول أو لا يزال يحاول أن يعيد لبنان إلى العتمة خدمةً لأجندته السياسية أو لمصلحته الشخصية.