الياس دمّر

في "28Years Later: The Bone Temple"... ماذا يحصل حين يعتاد البشر الخراب؟

4 دقائق للقراءة

بعد جزءٍ ثالثٍ أُطلق العام الماضي في الصالات اللبنانية، يصل فيلم "28Years Later: The Bone Temple" كحلقة جديدة في واحدة من أكثر سلاسل الرّعب تأثيرًا في العقود الأخيرة. هي السّلسلة التي بدأت مع "28Days Later" ونجحت في إعادة تعريف أفلام "الزومبي" عبر مقاربة واقعيّة ومشحونة بالتوتر النفسيّ والسّياسيّ. غير أن الجزء الجديد لا يكتفي بإعادة استحضار أجواء الرّعب التقليديّة، بل يُحاول أن ينقل السّلسلة إلى منطقة أكثر قتامة وتأمّلًا، حيث يُصبح السّؤال عن الإنسان أهمّ من سؤال النجاة من الوباء.

منذ قراءتنا العنوان، لحظنا تلميح الفيلم إلى تحوّلٍ في النبرة. لم يعُد الزمن مجرّد عنصر تشويقيّ كما في الأفلام السّابقة، بل أصبح جزءًا من البناء الدلاليّ. ثمانية وعشرون عامًا بعد الكارثة تعني أن العالم لم يعُد في حالة طوارئ، بل في حالة تأقلُم مع الخراب. هذا الاختيار يمنح الفيلم بُعدًا فلسفيًّا واضحًا: ماذا يحدث حين يتحوّل الرُّعب من حدثٍ استثنائيّ إلى واقعٍ يومي؟ وكيف يُعيد البشر تشكيل قِيَمهم وهويّاتهم في عالم فقد ملامحه القديمة؟


الإنسان أخطر من الوباء

يبتعد السّرد عن فكرة المواجهة المباشرة مع المصابين، ويُركّز أكثر على المجتمعات البشريّة التي نشأت بعد الوباء. بذلك يُصبح الخطر الأساسي ليس العدوى نفسها، بل أشكال التنظيم الاجتماعي المُشوَّهة التي تظهر في غياب الدولة والقانون. الفيلم يُقدِّم "طائفة دينيّة" مُتطرّفة تقودها شخصيّة ذات حضور مُقلق، ويجعل من هذه الجماعة مركزًا للصّراع. وفي ذلك إشارة واضحة إلى أن الإنسان، لا الفيروس، هو الخطر الأكبر حين تنهار القيم المشتركة.

ويعتمد الفيلم على أسلوب بصريّ كثيف، يمزج بين الواقعيَّة الخشنة والمَشاهد ذات الطّابع شبه التأمّليّ. الكاميرا تتحرّك بقلق، والألوان تميل إلى الرماديّات والبُنِيّات الداكنة، ما يعكس عالمًا استُنزف حتى صار أقرب إلى أطلالٍ حيَّة. هذا الأسلوب يمنح الفيلم هويّة بصريّة مميَّزة، ويُعيد إلى الأذهان الطّاقة الخام التي ميَّزت الجزء الأول، لكنه في الوقت نفسه يميل أحيانًا إلى الاستعراض الجماليّ على حساب وضوح السّرد.

في المقابل، يُعاني الفيلم من بعض التشتت الدراميّ. فالسّرد لا يتبع خطًّا واضحًا دائمًا، بل ينتقل بين شخصيّات وأفكار تبدو أحيانًا أقرب إلى الرّموز منها إلى شخصيّاتٍ مكتملة. هذا الخيار قد يكون مقصودًا ليعكس عالمًا فقدَ تماسكه، لكنه يُضعف التماهي العاطفي مع الأحداث.

مُقارنةً بالجزء الثالث الذي اعتمد على علاقة إنسانيّة بسيطة ومباشرة بين شخصيّاته، يبدو هذا الفيلم أكثر برودة وأقلّ قدرة على خلق روابط عاطفيّة قويّة. أمّا على المستوى الموضوعي، فيستمرّ السيناريو في استكشاف أسئلة الإيمان والذاكرة والهويّة. "الطّائفة الدينيّة" في الفيلم ليست مجرّد عنصر شرّير، بل هي تجسيد لفكرة البحث عن معنى في عالم خاوٍ. لكن الفيلم يقع أحيانًا في فخ الخطاب المباشر، حيث تُقال الأفكار بدل أن تُترجَم بصريًّا أو دراميًّا. هذا الأسلوب، يُقلّل من قوّة الرّمز ويجعل بعض اللّحظات تبدو أقرب إلى العظة منها إلى السينما.


الرّعب في أسلوب الحياة

أحد أبرز عناصر القوّة في الفيلم هو الأداء التمثيلي، ولا سيّما حضور البريطاني Ralph Fiennes مُجدّدًا في دور الطّبيب الذي يعيش بين آثار الموتى، محاوِلًا أن يجد معنى في عالمٍ بلا يقين. الشخصيّة ليست بطوليّة بالمعنى التقليدي، بل مُتعَبة، مشوَّشة ومُحمَّلة بأسئلة أخلاقيّة ثقيلة. أداء Fiennes يُضفي على الفيلم بُعدًا إنسانيًا عميقًا، ويمنح المُشاهد لحظات من الصّمت والتأمّل وسط العنف والفوضى.

كما يُحسب للفيلم خوضه غمار تجربة مختلفة داخل السّلسلة. فهو أقلّ اهتمامًا بالإثارة السّريعة وأكثر انشغالًا بتصوير عالم ما بعد الكارثة، بوصفه حالة نفسيّة وفكريّة. الرّعب ليس في المطاردة أو الهجوم، بل في الإحساس بأن البشر تعلّموا التعايش مع الخراب، وأنهم لم يعودوا يسعون إلى استعادة ما فقدوه، بل إلى خلق أشكال جديدة من الحياة، مهما كانت مُشوَّهة.

يوسّع فيلم "28Years Later: The Bone Temple" نطاق السّلسلة فكريًّا وبصريًّا، لكنه لا ينجح دائمًا في تحقيق التوازن بين الفكرة والسّرد. قوّته تكمن في أجوائه الثقيلة وأدائه التمثيليّ القويّ، وضعفه في حبكة مُتشظية وشخصيات لا تترك الأثر العاطفي نفسه الذي تركته الأجزاء السّابقة. قد لا يرضي جمهور الرعب التقليدي، لكنه يُقدّم قراءة أكثر سوداويّة ونضجًا لعالم ما بعد الكارثة، ويؤكّد أن هذه السّلسلة ما زالت ترى في الرّعب وسيلة للتأمّل في الإنسان، لا مجرّد أداة لإخافته. فيلم يُثير التفكير بقدر ما يُثير القلق، حتى لو لم يبلغ مستوى الانسجام الذي حققته بدايات السّلسلة.