الدكتور سايد حرقص

سياسة النعامة… والثمن الغالي

4 دقائق للقراءة

في بلدٍ اعتاد الهروب من مواجهة أزماته، تحوّلت سياسة النعامة من سلوكٍ عابر إلى نهجٍ رسمي غير معلن. ندفن رؤوسنا في الرمال، نختلف على العناوين، ونترك الأسباب الحقيقية تتراكم بصمت، إلى أن تتحوّل إلى كوارث يدفع ثمنها الدولة والمجتمع معًا.

يُطرَح انهيار المباني كحدثٍ طارئ، أو كقضاءٍ وقدر، فيما يُتجاهَل الأسباب الجوهرية: أولا، قانون الإيجارات القديم. فهذا القانون خلق علاقة مختلّة بين المالك والمستأجر؛ المالك يمتنع عن الصيانة لأن بدل الإيجار شبه مجاني، والمستأجر يعيش في العقار كأنه ملكه من دون أن يتحمّل مسؤولية الحفاظ عليه. والنتيجة إهمالٌ مزمن تراكمي يصل، بعد سنوات طويلة، إلى الانهيار. ثانيا، إلى جانب القانون المجحف ، تقف هذه المباني في طرابلس كدليل تاريخي على آثار القصف الهمجي الذي مارسه نظام حافظ الأسد ضد المدينة، حيث تسببت تلك الضربات في تصدع بنيتها التحتية وتركها تتهاوى تباعاً عبر السنين.

المشهد ذاته يتكرّر على الطرقات. فهي لم تُصمَّم عبثًا، بل أُنشئت وفق معايير هندسية وحدود واضحة للحمولات. لكن غالبية الشاحنات تتجاوز الحدّ الأقصى المسموح به، وتجوب الطرقات من دون رادع، في ظل غياب الرقابة الجدية وتراخي وزارة الداخلية في فرض القانون. فتتآكل الطرق بسرعة، وتتحوّل الصيانة من إجراءٍ دوري طبيعي إلى استنزافٍ دائم للمال العام، من دون أي معالجة للأسباب الحقيقية.

وإذا انتقلنا إلى الأملاك البحرية والنهرية، تتجلّى سياسة النعامة بأوضح صورها: تعدّيات فاضحة، واحتلال للشاطئ العام، وتشويه للأنهر، وردم وتوسّع خارج كل القوانين، ما تسبّب بكوارث بيئية، وقد يفضي إلى كوارث إنسانية في حال حدوث أي حركة طبيعية غير محسوبة، كفيضانات أو زلازل أو ما يُعرف بـ«التسونامي المائي». ومع ذلك، تُجمَّد الملفات بحجج سياسية وطائفية، فتُدمَّر البيئة، وتخسر الدولة موردًا عامًا يُفترض أن يكون حقًا مشتركًا لا غنيمة خاصة، فيما يرتفع منسوب الخطر.

أما البناء العشوائي الناتج عن قرارات الدولة، فهو الوجه الأكثر خطورة لهذا الإهمال. أبنية تُقام من دون تخطيط أو دراسات، ومن دون احترام معايير السلامة أو قدرة البنى التحتية على الاستيعاب. أحياء كاملة تنشأ خارج أي رؤية عمرانية، ثم نتفاجأ بمآسٍ إنسانية، وكأنها غضب من السماء.

المشكلة ليست في نقص القوانين، بل في غياب الإرادة السياسية والشعبية لتطبيقها. وليست في الجهل، بل في نفاقٍ سياسي يفضّل تأجيل المواجهة على تحمّل كلفتها. هكذا تحوّلت سياسة النعامة إلى نهجٍ معتمد؛ قد تُجنّب المسؤولين الصدام اليوم، لكنها تفرض على المجتمع غدًا ثمنًا باهظًا: أرواح تُزهق، أملاك تُدمَّر، ومالٌ عام يُهدر بلا مساءلة.

وفي المقابل، لا يُعفى المواطنون من تحمّل المسؤولية. فبينما يدفن المسؤول رأسه في الرمال، يعتمد كثير من المواطنين سياسة «المصلحة الأنانية الضيقة»؛ في الانتخابات، حيث تغيب المساءلة لتحلّ محلها المصالح الضيقة والحسابات الفئوية، وفي تقييم أداء الطبقة السياسية، حيث تسود معادلة «امرأة قيصر شريفة ولو زنت». بل إن هذا السلوك يتسرّب إلى أبسط تفاصيل الحياة اليومية، من البناء العشوائي وطلب الوساطة في التوظيف، إلى عدم احترام إشارات السير وطريقة رمي النفايات. وهكذا، تتكامل النعامة الرسمية مع الفوضى الفردية، لتُنتج دائرةً مغلقة من التواطؤ والانحدار.

الحل لا يكون بالإنكار ولا بالمساكنة مع الخطأ، بل بالانتقال إلى ثقافة المصلحة العامة. وهذا الانتقال لا يتمّ بقرار إداري، بل يبدأ بشعورٍ حقيقي بالانتماء الوطني اللبناني، حيث يُقدَّم القانون على الزعامة، والحق العام على المنفعة الخاصة.

آن الأوان للخروج من غياهب الفوضى. فالإصلاح لا يبدأ بالشعارات، بل بمواجهة الأسباب، وتطبيق القانون بلا استثناء، والاعتراف بأن التغاضي ليس حكمة، بل شراكة كاملة في الانهيار.