في لحظة تاريخية يتعذر فيها الفصل بين المأساوي والعبثي، تصير سوريا عام 2026 نصًا مفتوحًا على تجربة انتقالية معقّدة تختزل فيها كل المتناقضات؛ إنها لحظة قد تبدو للناظر من الخارج انحناءة في منحنى التاريخ، لكنها في جوهرها إعادة تركيب للسلطة بصيغتها القديمة تحت لبوس جديد. يمكن تشبيه الواقع السوري الراهن بأسطورة سيزيف؛ حيث يحاول الشعب السوري دفع صخرة الدولة نحو قمة المواطنة، لتصطدم في كل مرة بصلابة الدولة العميقة التي ترفض التزحزح. لا يمكن توصيف اللحظة الراهنة في سوريا عام 2026 بأنها مجرد مرحلة انتقالية كلاسيكية تلي سقوط الأنظمة الشمولية كما عرفها التاريخ في شرق أوروبا أو تونس؛ بل هي أقرب إلى انفجار ديموغرافي وسياسي أعاد صياغة مفهوم الدولة السورية من الصفر، غير أن المأساة تكمن في أن هذه الصياغة تمت بأدوات قديمة ومنتهية الصلاحية.
في محاولة لقراءة هذه المرحلة لا كمشهد عابر بعد سقوط نظام استبدادي، بل كمرحلة تضع نفسها في فخ الاستمرارية البنيوية، يتضح أنه لا تغيير حقيقياً في الأعماق البنيوية، وإن تبدّلت الوجوه والأسماء والمشاهد. إن سقوط الأسد لم يكن نهاية سردية، بل بداية مسابقة أعمق بين من يريدون فعلاً تأسيس دولة تعددية مدنية، ومن يرون في الاستحواذ على مرافق الدولة ومواردها فرصة لإعادة إنتاج السلطة بصيغة مغايرة.
سوريا اليوم لا تعاني من فراغ سلطة إداري فحسب، بل من فوضى مرجعيات فلسفية أيضاً؛ حيث تحاول السلطة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع تسويق هوية وطنية جامعة في الخطاب الدبلوماسي، بينما تمارس مفاصلها الأمنية سياسات هوياتية إقصائية على الأرض. هذا الانقسام بين الخطاب والدلالة العملية يضع الدولة في مأزق شرعي؛ فلا يكفي أن تمنح اصطناعات بيروقراطية اعترافات شكلية أو تصدر مراسيم تتباهى بالحقوق حتى تعيد بناء الثقة المنهارة، كما لا يكفي استخدام صوت الدبلوماسية لطمس ممارسات انتقامية تنقّب عن جذور بنيوية أعمق. إن التصدع بين دائرة التكريم الرسمية ودائرة القمع الواقعي يؤسس لحالة من التشظي في علاقة المواطن بالدولة، حيث يرى الأفراد أن ما يُمنح من حقوق يمكن أن يُسحب عند أول اختبار لموازين القوة.
إن المجازر التي صبغت خارطة سوريا في 2025 ومطلع 2026، من حلب إلى السويداء، لا ينبغي قراءتها كحوادث أمنية منفصلة، بل كرسائل سياسية مشفرة من القوى المهيمنة على الأرض من سيميولوجيا الدم؛ ففي إطار استراتيجية الإحلال الديموغرافي في حلب، حصل الهجوم على الشيخ مقصود والأشرفية في يناير 2026 كمحاولة لكسر الرمزية الكردية؛ حيث يمثل النزوح الجماعي لـ 165,000 مدني هندسة اجتماعية تهدف لخلق كتلة صلبة موالية للمركز وتجريد المكونات التاريخية من ثقلها. قراءة هذه الأحداث بعيدًا عن حديث الإحصاء والانفعال الإنساني، يجب أن تتوخى فهم الرمزي والسياسي: فالمدن والأحياء في الحالة السورية ليست مجرد فضاءات جغرافية، بل نصوص ذاكرة وهوية تُقرأ وتُكتب بقوة السلاح والسياسة معًا. إن تحويل الحيّ إلى ساحة نزوح هو عملية متكاملة لإعادة تموضع ديمغرافي وسياسي، وغالبًا ما تكون مرتبطة بحسابات السيطرة على الموارد والطرق والنفوذ.
ثأر الجغرافيا في الساحل من جهةٍ أخرى مأساة آذار/مارس 2025 في ريف اللاذقية وطرطوس تعكس أعمق مخاوف المرحلة الانتقالية انتقام من يدعي المظلومية حين يستبد؛ إذ إن مقتل أكثر من 1,500 مدني علوي على يد ميليشيات باتت رسمية يكشف عن خلل بنيوي في تعريف الجيش الوطني ويطرح سؤالاً وجودياً: كيف يمكن بناء دولة قانون إذا كانت أدوات إنفاذ القانون هي ذاتها أدوات الانتقام الطائفي؟ إن استدعاء مسألة المحاسبة في الساحل يحيل إلى فكرة أساسية: شرعية الدولة لا تُبنى على الأسماء أو المراسيم، بل على قدرة مؤسساتها على محاسبة نفسها وإرساء معايير عدالة متساوية لكل المواطنين. حين تختلط الأجندات المحلية بآليات تمكين ميليشياوية تُشرعن العنف باسم الأمن ، تتبدد إمكانية الانتقال الحضاري إلى دولة مؤسسات.
أما السويداء وكنيسة مار إلياس فكانتا أشبه بصراع الخصوصية ضد المركزية: نتفاضة السويداء (يوليو 2025) وتفجير كنيسة مار إلياس ليسا مجرد اضطرابات؛ إنهما صرخة ضد المركزية الإسلاموية الصاعدة، حيث يرى المكون الدرزي والمسيحي في دمشق الجديدة نظاماً واحداً بعباءة مختلفة ، وتُمارس الإعدامات الميدانية لتطويع الخصوصيات الدينية والمذهبية لصالح نموذج الدولة النمطية . هذا التوتر بين المطالب المحلية والهيمنة المركزية يفضي إلى حقيقة بسيطة ومرعبة في آن: إن أنظمة المحاصصة والهجرة القسرية لا تخلق استقرارًا، بل توالد سخطًا مضمرًا قد يتحول إلى حركات مقاومة أو انفجارات اجتماعية مستقبلية. بالتالي، إن تعامل السلطة الانتقالية مع مطالب الخصوصية يجب أن يتجاوز الشعارات إلى سياسات ملموسة تدمج الحقوق في بنية الحكم وتمنح ضمانات دستورية حقيقية.
في العاشر من شباط/فبراير وخلال استجواب بيري وماينزا تم تشريح الدولة العميقة الجديدة خلال الجلسة التي قادها النائب سكوت بيري في واشنطن؛ فالكشف هناك لم يكن فقط عن تجاوزات خطيرة بل عن هيكلية قوّية تحكم المشهد السياسي السوري الجديد. لقد صاغت نادين ماينزا جدلية العجز مقابل الرغبة بشكل يضع السلطة الحديثة أمام اختبار أخلاقي وقانوني: الدولة التي تستطيع نقل آلاف المقاتلين وتوقيع اتفاقيات نفطية دولية لا يمكنها التذرع بـ العجز عن حماية حي في حلب أو كنيسة في دمشق. هذا التمييز يُضعف كل تبرير للقصور الأمني ويُسلّط الضوء على عنصر الإرادة السياسية؛ فإذا كانت الإرادة غائبة فذلك يعني ضعفًا حكوميًا حقيقيًا، لكن إذا كانت الإرادة متواجدة وتحابي فصائل بعينها، فإن ذلك يعني أن السلطة تستخدم العنف كأداة تكوين شرعية فعلية — شرعية تُبنى على الخوف والهيمنة لا على القانون والعدل.
خديعة التلميع البيروقراطي أشار المشرعون الأمريكيون بذكاء إلى أن تحول قادة الفصائل من الزي الميداني إلى البذلة الرسمية هو تغيير في القشرة الإدارية لا في النواة الأيديولوجية. إن مقاطع الفيديو التي عرضت في الكونغرس لانتهاكات ضد النساء لم تكن فضيحة أخلاقية فحسب، بل كانت دليلاً بنيوياً على أن عقيدة العنف لا تزال هي المحرك الرئيسي للهياكل الأمنية التي تدير دمشق. هذا الاكتشاف يضع السؤال مجددًا حول جدوى الاستبدال السطحي: هل يكفي تغيير الزي والرموز لتغيير عقلية مؤسسة؟ التاريخ السياسي يقدم أجوبة متباينة، لكن الدرس السوري هنا واضح: إن التجميل الاداري بدون تفكيك الأيديولوجيا والتراتبية المسلحة سيؤدي إلى إعادة إنتاج ذات الممارسات تحت أسماء مختلفة.
شهد المحور الأطلسي تحولًا لا يقل أهمية؛ فقد انتقل التعامل الغربي مع الملف السوري من إدانة صورية إلى اشتراط استراتيجي: كندا ورابطة المواطنة تُجسدان تحوّل القضية السورية إلى مسألة داخلية لدى جاليات واسعة في دول اللجوء، وأوروبا طرحت معادلة المال مقابل القيم من خلال شروطها للمساعدات، ما يجعل العلاقات الدولية مع دمشق أقل سخاءً وأكثر حسابًا للمساءلة وحقوق الأقليات. هذا التحوّل يعني أن الدول التي توفر التمويل والاعتراف تسعى الآن لأن تضع معايير صارمة للامتثال، وأن تجعل المساعدات وسيلة للضغط السياسي والأخلاقي، لا مجرد تبادل مصلحي تجريدي.
ما يضعنا أيضًا أمام الملف الأمني المتفجر هو تحول داعش إلى أداة للابتزاز السياسي؛ ففي لحظة ارتباك داخل سوريا، جاءت التقارير الاستخباراتية لتكشف عن انهيار منظومة احتجاز مقاتلي التنظيم الشديدي الخطورة. قرار القيادة المركزية الأمريكية بنقل 7,000 معتقل من سجون الشمال السوري إلى العراق لم يكن مجرد خطوة لوجستية بل إعلانا بالشك في قدرة النظام الجديد على إدارة مخاطر الإرهاب داخليًا. هذه الخطوة تعكس رؤية استراتيجية مفادها أن الاحتياطي الأمني للدولة الجديدة قد لا يثق في حراسة القنابل البشرية وأن خطر تفجّرها — سواء بفعل إهمال أو بتواطؤ — قد يتحول إلى سلاح ضغط سياسي يضع المجتمع الدولي أمام معادلة مزعجة: تقديم اعتراف وموارد مقابل تحكم خفي قد يؤدي إلى كوارث إنسانية وأمنية.
الثقة المفقودة وهندسة الفراغ هذا التحرك الأمريكي يعكس قراءة مفادها أن العواصم الغربية تدرك أن المنظومة الأمنية الجديدة في دمشق، المطعّمة بعناصر ذات خلفيات راديكالية، قد تنظر إلى معتقلي داعش ليس كخطر أمني، بل كـ ورقة مساومة لاستجداء اعتراف أو تمويل. إن السيناريو الذي يستعمل فيه ملف السجناء كورقة سياسية يضع المنطقة أمام خطر مركزي: ليس فقط تكرار مشاهد التفجير، بل تحويل ملف الأمن إلى سلعة في أسواق الشرعية الدولية. بالتالي، فإن أي استراتيجية انتقالية حقيقية لا بد أن تتضمن آليات رقابة دولية ومحلية مشتركة، وبرامج إعادة تأهيل ومراقبة شفافة تُبعد شبح التلاعب بهذا الملف الحيوي.
قانون إنقاذ الكرد (Save the Kurds Act) جاء كرد فعل تشريعي يستدعي أسئلة عن حدود التدخل الأميركي في هندسة الحلول المحلية؛ فالقانون لا يهدف ببساطة لحماية مكوّن إثني، بل لخلق توازن رعب تشريعي يمنع دمشق من تحويل قوتها العسكرية إلى أداة إقصاء. المعايير الستة للامتثال، والجداول الزمنية لتنفيذها، بالإضافة إلى تهديد عقوبات قيصر 2.0 توضح أن المجتمع الدولي بات يتعامل مع دمشق بعقلية عقدية: الاعتراف السياسي يتم مقترنًا بأفعال ملموسة ومقاييس تحقق القطيعة مع التطرف. هذه الديناميكية تشكل سيفًا ذا حدين؛ فمن جهة تُعزز ضغط الإصلاح، ومن جهة أخرى قد تُفسّر على أنها إملاءات خارجية تزيد من عزل الشرعية المحلية إن لم تُصاحب بحوار داخلي يشرك مكوّنات المجتمع المدني والجهات المحلية.
سوسيولوجيا الانكسار الكردي تجلّت بوضوح في اتفاقية 30 يناير التي جمعت أحمد الشرع ومظلوم عبدي في تسوية محفوفة بالمخاطر؛ إذ بدت الاتفاقية كـ زواج إكراه فرضه ميزان القوة، فمنح دمشق مفاتيح الموارد الاقتصادية — حقول النفط والمطارات والمعابر — مقابل وعود بدمج مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية في المؤسسة العسكرية. هذه المقايضة كانت بالنسبة للكرد محصلة مراوحة بين خيارين مريرين: الذوبان المؤسسي مقابل احتمال الإبادة الميدانية. هنا يتجلى سؤال أخلاقي وجيوسياسي: هل بقاء النسيج المكوّن للهوية يهون أمام الخطر الوجودي أم أن الاستجابة السياسية يجب أن تبحث عن حلول تضمن استمرار الكيان الثقافي دون التضحية بالسيادة الاقتصادية؟ إن الرد الواقعي يقتضي آليات تمنح حكمًا ذاتيًا حقيقيًا على الموارد، وضمانات دستورية لا تُلغى بمرسوم، وبرامج اقتصادية تضمن إعادة توزيع عادل للعائدات.
في ضوء ذلك، فإن المرسوم رقم 13، الذي احتفى بإقرار الحقوق اللغوية للكرد واعترافهم كعنصر أصيل، يظل في نطاق المكرمات الرئاسية ما لم يُؤسس لمأزق دستوري يمنح هذه الحقوق حماية دائمة. ما يُمنح بمرسوم يمكن أن يُسحب بمرسوم، ومأزق استعمال الجنسية كأداة سياسية يشي بتوظيف جراح الماضي لإعادة إنتاج ولاءات قابلة للانتزاع. الدولة الانتقالية الناجحة بحاجة إلى مسار دستوري يكرس الحقوق في نصوص ثابتة لا تتأثر بتبدّل الوجوه أو تفاوت موازين القوة.
جدلية التفكيك لا التجميل تُعيدنا إلى رغبة المجتمع الدولي في رؤية إصلاحات بنيوية حقيقية؛ إذ لم يعد مقبولًا أن تُنظف السلطة صورتها بتغييرات شكلية بينما تبقى بنيتها الأمنية والسياسية كما هي. مطلب تطهير مؤسسي أو لسترِيشِن في سياق الانتقال السوري ليس رفاهية نظرية بل شرط واقعي لبناء شرعية جديدة. إن الفصائل التي أوصلت النظام الانتقالي إلى موقعه اليوم لا يمكن أن تظل العمود الفقري لسلطة تدعي التزامًا بحقوق الإنسان؛ هذا التناقض يفرض على كل من يسعى للحل أن يضع خارطة طريق لدمج المقاتلين ضمن قوات نظامية موحّدة، تفكيك شبكات الولاء الموازية، وإعادة تأهيل الكوادر الإدارية والعسكرية على قواعد مدنية وقانونية جديدة.
الفخ الأفغاني في حوض المتوسط ظل يلوح في أفق مخاوف العواصم الأوروبية؛ إذ تخشى أن يتحول التمكين الراديكالي الهادئ إلى مشروع تصدير أيديولوجي يمس أمن القارة. لذلك، فإن الأموال الأوروبية ليست مجرد تكلفة إعادة إعمار بقدر ما تُعامل كقسط تأمين يهدف للحيلولة دون إعادة إنتاج الأزمات. هذا المشهد يفرض على دمشــق أن تدرك أن استجابة المجتمع الدولي تقوم على آليات تحقق شفافية واستدامة ومشاركة حقيقية.
من هنا تتبلور سيناريوهات 2027 بين خيارين دراماتيكيين: الفيدرالية المريرة أو الدولة الفاشلة . السيناريو الأول، المماثل للنموذج اللبناني المعزز، يقترح محاصصة طائفية وعرقية تُموه اللامركزية بحماية دولية، وتُبقي دمشق مركزًا للقرار بينما تمنح المناطق فسحات أمنية وثقافية ذاتية. هذا الخيار يحمل في طياته إمكانية بقاء الاستقرار الهش عبر توازنات خارجية ولكن على حساب تجذير الانقسام. أما السيناريو الثاني، فهو المركزية القمعية المتجددة التي تُنهك المكونات المحلية اقتصاديًا وتسيء إلى الخصوصيات الثقافية، ما يفضي إلى ثورات مضادة وتفجّرات دورية تُعيد إنتاج التطرف كرد فعل على الإقصاء.
الخلاصة الكبرى هنا لا تقف عند حدود الملاحظة الأكاديمية؛ إنها دعوة عملية مفادها أن حجر الزاوية لأي استقرار مستدام هو الإنسان السوري: حمايته، كرامته، ومدى شعوره بالأمان في كنيسته وحيه وساحته العامة. إن السياسة التي تُقايض وجود الإنسان بالموارد ليست إلا ضمانًا لاستمرار حلقة العنف، ولن تنتج سلامًا حقيقيًا. لذا، لا بد من استراتيجية انتقالية تضع في صميمها آليات حماية للأقليات، إصلاحًا مؤسسيًا حقيقيًا، برنامجًا اقتصاديًا عادلًا، ومسارات دستورية تُبنى على المشاركة والعدالة.
أمام السلطة الانتقالية ومجتمعها الدولي الراصد، يبرز تحدٍّ مركزي: هل ستقبل دمشق أن تُفكك قاعدة قوتها المتمثلة في الفصائل المسلحة لصالح دولة مدنية موحدة، أم ستواصل تلميع بنية القوة وإعادة إنتاج قواعدٍ قديمة تحمل بذور الانفجار؟ الجواب على هذا السؤال سيحدد مصائر السوريين والأمن الإقليمي لعقود. إن الخيارات الآن ليست تقنية بقدر ما هي سياسية وأخلاقية؛ فالمجتمع الدولي قدّم معايير وشروطًا، وأمام دمشق فرصة لاختبار نواياها: هل تسعى إلى شرعية تُبنى على عدالة وحماية، أم إلى شرعية تُشترى بالقوة والمساومات؟
ختامًا، تقف سوريا اليوم على مفترق طريق تاريخي؛ ليس بين حكمين فقط، بل بين نمطين من الشرعية: شرعية تُبنى على حماية الضعفاء وسياسات دمج حقيقية، وشرعية تُبنى على سيطرة اقتصادية وأمنية تُعيد تدوير التطرف تحت مسميات وطنية. مستقبل سوريا لن يحدده من يمتلك آبار النفط، بل من يضمن أمان المواطن في كنيسته وحيه وساحته العامة، ومن ينجح في تفكيك عقائد الكراهية وترسيخ مؤسسات تتسع للجميع دون استثناء. إن هذا الاختبار الأخلاقي والسياسي هو ما سيحدد إن كانت الجمهورية الانتقالية ستخرج من فخ الاستمرارية البنيوية أم ستظل تكرّر التاريخ ذاته تحت أغطية مختلفة.
مختصة بالاتصال السياسي والحوكمة الرقمية