يحمل عيد الحبّ كل عامٍ كلمات دافئة تعبّر عن الامتنان والتقدير والتضحية خصوصًا أن كلًّا منا يبحث فطريًا عن علاقة تمنحه الشعور بالأمان والانتماء والدعم النفسي.
لكن هذه الحاجة قد تنحرف عن مسارها الصحيّ لتتحوّل من تواصل متوازن إلى اعتماد عاطفي مفرط ينعكس سلبًا على الاستقلالية الذاتية والعاطفية، ليصبح وجود الشريك شرطًا أساسيًا للاستمرار في الحياة.
فكيف نميّز بين الحبّ المتوازن والارتباط المرضي؟
عندما نعيش الحبّ، تلتقي "الأنا" الذاتية بـ "أنا" الآخر ليشكّلا معًا ما يُعرف بـ "نحن". ولكن، عندما تُلغى "الأنا" لتبقى هوية الشريك وحدها هي المسيطرة عندها نصبح في إطار الاعتماد العاطفي.
وكأننا أمام حالة نفسية تفرض إلغاء الذات من أجل الآخر، ليصبح الشخص مرتبطًا عاطفيًا بشكل مفرط ومبالغ بشريكه، فيفقد القدرة على اتخاذ القرارات وإن كانت بسيطة من دون وجود شريكه إلى جانبه، كما يفقد القدرة على التصرّف والتحرّك بأبسط الأمور الحياتية، كشراء الملابس للأولاد أو حضور اجتماع للأهل في المدرسة أو التنقّل على الطرقات.
وعن كيفية التمييز ما بين الاعتماد العاطفي الصحي والسّام، تقول المعالجة النفسية مارتين الزغبي أبو زيد: "نرى حالة تكامل في الاعتماد الصحي، حيث يتقاسم الشريكان المسؤوليات والواجبات من ضمن إطار محدد من دون الغاء الآخر، ويكون قائمًا على الاحترام المتبادل وتقبّل اختلاف الرأي والاستقلالية في الشؤون اليومية.
بينما يعيش الشخص المعتمد في حال رعب دائم من فكرة الهجر، فينعكس ذلك غيرة مفرطة وتدقيقًا مبالغًا في التفاصيل وتضحية بالنفس إلى درجة التخلّي عن الهوية الخاصة لارتداء هوية الشريك. وقد يتخلّى المعتمد عن احترامه لنفسه أمام الآخر مبالغًا في الخضوع له، كغسل قدميه والانعزال في المنزل في انتظار عودته، وتغيير شكله لإرضائه، وصولًا إلى تحمّل الإهانة والإهمال وبيع نفسه ونفسيته وشخصيته وكرامته من أجل البقاء مع شريكه".
وتشير إلى حاجته إلى الاطمئنان الدائم، فيسأل شريكه دائمًا إذا كان لا يزال يحبّه وراضيًا عن شكله ولباسه ومتعلقًا به، فيرضخ بسبب قلة ثقته بنفسه وخوفه من الهجر والوحدة.
أمّا عن الأسباب التي تؤدي إلى هذه الحال المرضية، فتجيب: "من عاش في صغره جرح التخلّي، أي تخلّى عنه أهله الذين أحبّوه إمّا رمزيًا أو واقعيًا. ويأتي ذلك عادة بعد ولادة طفل جديد وشعوره بأن مكانته قد سُلبت، يؤدي جرح الحبّ هذا، والعلاقة العاطفية غير المتوازنة مع الأهل أو المشروطة، إضافة إلى تجارب عاطفية فاشلة في المراهقة، إلى خوف من التخلّي أو إلى علاقة حب مشروطة، وبالتالي يخضع الشخص للشريك منفذًا كل رغباته لئلا يهمله أو يهجره".
وعن انعكاس ذلك على الصحة النفسية، توضح أبو زيد أن المتعلّق عاطفيًا بالآخر، يفقد عادة ثقته بنفسه بسبب ذوبانه فيه مجتاحًا حدوده، فلا يتقدّم في حياته المهنية، لا بل يستقرّ في مركز أمانه. يعتمد كليًا على الآخر في أبسط القرارات والتحرّكات اليومية لأنه يخشى من اتخاذ القرارات بنفسه، وقد يعاني قلقًا وحزنًا دائمًا ونوبات ذعرٍ، وإرهاقًا، وعدم استقرار. "فإذا نظر إلى المرآة رأى نفسه ضعيفًا، راكعًا أمام شريكه يستعطي حبّه، وهو لا يرى نفسه إلا من خلال عينيه، يقيس قيمته وفق رأيه لأنه يخشى ألا يكون مرغوبًا منه".
وتؤكّد أبو زيد أهمية العلاج في هذا الإطار، حيث يتم التفتيش عن الأسباب عبر العودة إلى الماضي بجراحه وضعفه وزلّاته للتصالح مع الطفولة. وحين لا يفيد العلاج النفسي وحده، يجب مراجعة طبيب نفسي للعلاج عبر الأدوية. وتضيف: "كلّما كان الشريك مدركًا لتصرفات الآخر أصبح العلاج أسرع وإنما تكمن المشكلة في ما إذا كان هذا الشريك مستفيدًا ومستغلاً لتعلّق الآخر به ويجبره على أن يكون بحالة تعلّق مفرط به وغير قادر على التخلّي عنه. انطلاقًا من ذلك يمكن أن يكون الشريك هو الظالم الذي يجعل الآخر مرتبطًا بشكل مرضي به أو الخاضع، وفي الحالين يجب العلاج.