في أيلول الماضي، جرى تدشين أعمال إعادة تأهيل محطة مار مخايل – النهر (بيروت)، بمشاركة الجهات الرسمية اللبنانية، وفي مقدّمها وزير الأشغال العامة والنقل ووزير الثقافة، وذلك بحضور المديرة العامة لمنظمة اليونسكو، إلى جانب ممثلين عن الحكومة الإيطالية (الممول).
ويهدف المشروع إلى ترميم المبنى التاريخي، والحفاظ على إرثه المعماري، وتحويل المحطة إلى معلم ثقافي–اجتماعي، وبالطبع إعادة الاعتبار لذاكرة سكك الحديد اللبنانية.
غير أنّ رمزية هذا الافتتاح تتجاوز الإطار التراثي أو العمراني، لتعيد تذكيرنا بموضوع أوسع يتعلق بواقع حال سكك الحديد في لبنان، وتكاملها مع شبكة سكك الحديد في سوريا، ومدى جهوزيتهما للمستقبل في ظل المتغيرات الكبرى التي تشهدها المنطقة ككل (المقال السابق: قطار الحل – 1).
شكّلت شبكة سكك الحديد في لبنان، ابتداءً من سنة 1895، محورًا أساسيًا للاقتصاد والمواصلات الداخلية والإقليمية، بطولٍ بلغ نحو 408 كيلومترات، موزعة على أربعة خطوط رئيسية:
• خط بيروت – رياق – دمشق الذي أُنشئ سنة 1895، وينطلق من مرفأ بيروت ومحطة مار مخايل صعودًا عبر الجبل وصولًا إلى سهل البقاع (رياق)، ومنها إلى دمشق. هو أول خط سككي في لبنان، ربط الساحل بالداخل السوري.
• خط رياق – القاع – حمص الذي افتُتح سنة 1902، وينطلق من رياق شمالًا عبر بعلبك والقاع، ومنها إلى حمص، وقد لعب دورًا محوريًا في ربط سهل البقاع بالداخل السوري وامتدادًا نحو حماة وحلب.
• خط طرابلس – حمص الذي أُنشئ سنة 1911، وربط مرفأ طرابلس بمدينة حمص عبر سهل عكار.
• الخط الساحلي (الناقورة – بيروت – طرابلس) الذي افتُتح سنة 1942 خلال الحرب العالمية الثانية، وامتد على طول الساحل اللبناني.
أدّت الحرب اللبنانية إلى توقف التشغيل (إلا بشكل جزئي ولفترة قصيرة في بداية التسعينيات) وإلى تدمير أجزاء واسعة من المسارات، فضلًا عن تعديات عمرانية على السكة خاصةً في منطقة بيروت الكبرى.
أما اليوم، فبرغم تعدد الدراسات ومحاولات الإحياء، وآخرها ما طُرح ودُرس في مجلس الوزراء اللبناني منذ عدة أشهر، لا يزال هذا القطاع متوقفًا برمّته.
أما بخصوص سكك الحديد في سوريا، فقد بلغ طولها الإجمالي قبل عام 2011 نحو 2450 كيلومترًا، وتوزعت على الخطوط التالية:
• خط دمشق – مزيريب (جنوب سوريا، في محافظة درعا، بالقرب من الحدود الأردنية)، الذي افتُتح عام 1893، وشكّل البداية الفعلية للشبكة السورية.
• خط دمشق – بيروت الذي افتُتح عام 1895، وأسهم في ربط الداخل السوري بمدينة بيروت ومرفئها كما اسلفنا.
• خط رياق – حمص – حماة – حلب الذي بوشر العمل به سنة 1902، وأسّس لربطٍ استراتيجي بين وسط وشمال سوريا والبقاع اللبناني.
• خط حمص – طرابلس الذي افتُتح عام 1911، وربط الداخل السوري بمدينة طرابلس ومرفئها.
• خط حلب – تركيا الذي شكّل جزءًا من مسارات الربط الدولية.
• خط حلب – بغداد الذي افتُتح عام 1911.
• خط دمشق – المدينة المنورة (الخط الحجازي) الذي افتُتح رسميًا عام 1908.
• خط درعا – حيفا الذي توقف تشغيله عام 1948.
قبل اندلاع الأحداث في سوريا عام 2011، كانت سكك الحديد تلعب دورًا أساسيًا بالإضافة لنقل الركاب في نقل الحبوب والمواد الغذائية والنفط ومشتقاته والفوسفات والإسمنت، فضلًا عن الربط بين المرافئ والمناطق الصناعية، وبالطبع الربط الإقليمي والدولي. بعد اندلاع الأحداث، لحقت أضرار كبيرة بهذه الخطوط، ما أدّى إلى توقفها عن العمل.
أما حاليًا، فتوجد عدة محاولات لإعادة الإحياء بشكلٍ جزئي، وعلى سبيل الذكر لا الحصر: إعادة تشغيل محور اللاذقية – حلب لنقل الحبوب، وتفعيل نقل الإسمنت، وغيرها من محاور الشحن. من ناحيةٍ أخرى، وفي الإطار الإقليمي، تم الاتفاق بين الأردن وسوريا وتركيا على إعادة إحياء خط الحجاز.
كنظرةٍ إجمالية إلى واقع الحال، تبدو سكك الحديد متوقفة في البلدين، مع أفضلية وتحسّنٍ طفيف في سوريا. وفي جميع الأحوال، فإن هذا القطاع الحيوي لم يعد يؤدي دوره الكامل.
إن عودته تبقى رهناً بقرارٍ استراتيجي سياسي–اقتصادي. وإذا ما تم اتخاذ هذا القرار، يمكن أن يعتمد التنفيذ على عدة نماذج، من بينها التشاركية بين القطاعين العام والخاص (PPP, BOT, الخ.) وغيرها من صيغ الاستثمار والتشغيل. لا حاجة للقول، ان بغض النظر عن النماذج التي ممكن ان تكون معتمدة، ان اعادة احياء سكك الحديد لا بد ان يوفر مزايا بنيوية واضحة من ناحية السرعة، التوفير، خفض التلوث وتخفيف الضغط عن الطرق والأهم من كل ذلك الفائدة الاستراتجية من خلال النمو الاقتصادي، نقل الركاب والبضائع والربط الاقليمي والدولي. إن أهم نقطة في حال حصلت عملية اعادة احياء شبكة سكك الحديد في سوريا ولبنان هو عدم الاكتفاء بإعادة إحياء الخطوط القديمة، بل تطوير خطوط جديدة وتوحيد تقنيات السكك وعرضها ليسهل ربطها بالشبكات الدولية واستثمارها افضل استثمار.
في مسرحية «المحطة» للأخوين رحباني (سنة 1973)، حيث كانت المحطة وهمًا… إلى أن سُمِع صفير القطار ووصل فعلًا في نهايتها، تقول وردة (فيروز):
«الانتظار خلق المحطة… وشوق السفر جاب التران.»
إنّ الحاجة الاقتصادية، كما الظروف الجيوسياسية، قادرة هي أيضًا على أن تجلب «التران».