عيسى يحيى

من بعلبك... شكرًا ميشال المر

4 دقائق للقراءة
فرقة "شمس بعلبك" وكارلا حداد في الحلقة الأخيرة (شادي الفغالي)

في بلدٍ تتزاحم فيه الشاشات بالأزمات، وتعلو فيه السياسة على ما عداها، قلّما نجد مساحةً تُعيد الاعتبار للفرح، وللناس كما هم، وللتراث بوصفه هوية لا زينة. وسط هذا الضجيج، جاء برنامج "Let's Dabke - يلا ندبك" على شاشة "mtv" ليقول إن في لبنان ثمّة ما يستحق أن يُروى غير الخلافات، اسمه التراث.

لم يكن البرنامج مجرّد مسابقة فنية عابرة، بل نافذة فُتحت على لبنان الآخر، لبنان القرى والسهول والجبال، لبنان الذي لا يشبه نشرات الأخبار، بل يشبه أفراح الناس وساحات الدبكة ورائحة التراث.

من بعلبك حضرت فرقتان، نقلتا للبنان والعالم صورة عن تراث المدينة ودبكتها، عن الخطوات التي تتنقل بين "البداوية" و "العرجة" و "الزينو"، وعن تمايل الأكتاف التي حملت على مدى سنين صورة غير التي تحب أن تكون عليها بعلبك وأهلها، وعن رقصات أسقطت تلك الصورة عن الأكتاف لكنها نقلت ما لا ينبغي أن يُنقل من مشاحنات وخلافات على هويّة ليست حكرًا، ومناكفات أوصلت إلى ما تمّ الوصول إليه. لم ينل أيٌّ منهما المرتبة الأولى، لكن بعلبك ربحت ما هو أهم من الكأس واللقب: صورتها. ربحت لحظةً نادرة خرجت فيها من القوالب الجاهزة التي وُضعت فيها طويلًا، لتظهر كما هي فعلًا: مدينة تراثٍ وحياةٍ وكرامة. وربحت معها الفرقتان نجوميةً وشهرة فتحت أمامهما ميدان العمل في الداخل والخارج.

لسنوات وُسمت بعلبك - الهرمل بأنها "خارج الدولة"، أو أن أهلها قساة والتعامل معهم صعب. صورة ظالمة اختزلت منطقة كاملة بأحداث أمنية أو عناوين سياسية. لكن على مسرح "Let's Dabke"، لم يكن هناك سوى الأقدام التي تضرب الأرض بإيقاع الفرح، والأيادي المتشابكة، واللباس التراثي الذي يحمل ذاكرة المكان.

هناك، دخل اسم بعلبك إلى كلّ بيت لبناني، لا بوصفه خبرًا أمنيًا، بل تراثًا حيًّا، دخل بإيقاع المجوز، وبالعباءة المطرّزة، وبالحماسة التي لا تُصطنع. دخل بصورة شباب يعتزون بهويتهم، ويقدّمونها بثقة، لا باعتذار.

هذا هو الوجه الذي نعرفه نحن، بعلبك التي تعلّم أبناءها أن الأرض كرامة، وأن الفرح مقاومة للحزن، وأن الدبكة ليست رقصة فحسب، بل إعلان انتماء. بعلبك التي تقف خلف قلعتها الشامخة شاهدةً على حضاراتٍ مرّت من هنا وبقي أهلها.

أدرك ميشال المر أن الحفاظ على التراث لا يكون فقط عبر المهرجانات الموسمية، بل عبر إدخاله إلى البيوت، إلى العائلات، إلى الأجيال الجديدة التي قد لا تعرف من تراثها إلا اسمه. أعاد الدبكة إلى الواجهة، وأعاد معها أسماء المناطق، ولهجاتها، وأزياءها، وخصوصيتها الثقافية.

من هنا، يصبح الشكر واجبًا... فشكرًا لميشال المر لأن البرنامج لم يتعامل مع المناطق من علِ، ولم يُدخلها في منافسة فولكلورية سطحية، بل منحها مساحةً حقيقية لتقول من هي. شكرًا لأن الشاشة ولو لساعات، أنصفت منطقة طالها الكثير من التعميم.

ربما لم تفز فرقة بعلبكية بالمرتبة الأولى، لكن بعلبك فازت بالظهور وبإعادة تعريف نفسها أمام جمهور واسع في لبنان وخارجه. فازت بصورةٍ تقول إنّ هذه المدينة ليست هامشًا، بل أصلٌ من أصول هذا البلد.

رئيس "اللجنة الثقافية" في "بلدية بعلبك" سابقًا الدكتور سهيل رعد، قال لـ "نداء الوطن": "بعلبك مدينة ضاربة في التاريخ، لا تختصرها مرحلة ولا ظرف. تراثها ليس تفصيلًا فولكلوريًّا، بل هوية متجذرة في الناس، في الدبكة، في الأزياء، وفي العادات التي تصمد جيلًا بعد جيل. وما شاهدناه أخيرًا أعاد وضع هذا التراث في مكانه الطبيعي أي في صدارة المشهد الوطني". أضاف رعد: "ساهمت قناة "mtv" بدَورٍ مسؤول في إبراز الوجه الثقافي لبعلبك، ونقل صورة متوازنة تليق بتاريخها ومكانتها. هذا الجهد الإعلامي لا يخدم منطقة بعينها، بل يخدم لبنان كلّه، لأنه يعيد التذكير بأن تنوّعنا الثقافي هو مصدر قوتنا ووحدتنا".

في زمن الانقسامات، قد تبدو الدبكة تفصيلًا صغيرًا، لكنها في الحقيقة لغة جامعة. فحين تتشابك الأيدي في حلقة واحدة تسقط الصُّوَر النمطية، ويعلو إيقاع واحد فوق كل الضجيج. ومن بعلبك، التي قدّمت دبكتها كما قدّمت دائمًا رجالها ونساءها بكرامة، نقول: شكرًا ميشال المر، لأنك لم تُعطِنا مساحةً للرقص فحسب، بل مساحةً لنُرى كما نحن: أهل تراث، وأهل حياة، وأهل وطن.