جو حمورة

نصف قرن من سمير جعجع.. مشرط الطبيب وفلسفة التاريخ

6 دقائق للقراءة
سمير جعجع

ليس من السهل أن يُكتب عن سمير جعجع. ليس لأن الرجل يفتقر إلى السيرة، بل لأن سيرته فائضة إلى حد يجعل كل قارئ ينتقي منها ما يشبهه. عند مؤيديه، قائد لم ينكسر، وعند خصومه، خصم لم يتبدل. وبين الصورتين يقف رجل ظلّ يرى في التاريخ أكثر من ذاكرة.. بل بوصلة تسيّر السياسة.

وُلد عام 1952، بعد سنوات قليلة من استقلال لبنان، وكأن بدايته اقترنت ببداية الجمهورية نفسها. نشأ في عين الرمانة، الحيّ الفقير في ضاحية بيروت الذي سيختصر بعد سنوات مرحلة كاملة من تاريخ البلاد. كان شاباً يدرس الطب في الجامعة الأميركية في بيروت، ويحلم، كما يحلم طلاب الطب، بإنقاذ الأجساد من عللها. لكن لبنان الذي كان يتشقق أمام عينيه لم يكن يبحث عن أطباء بقدر ما كان يفرز مقاتلين وسياسيين وشهوداً على انهياره. ومنذ نصف قرن بالتمام، ترك مشرط الجراحة لأن الحرب استدعت جيلاً كاملاً إلى قدر لم يختره بنفسه.

منذ شبابه، كان شديد الاهتمام بالتاريخ، لا بوصفه أرشيفاً للأحداث، بل باعتباره تفسيراً للحاضر. لذلك، لم يكن غريباً أن يجد في فلسفة التاريخ لدى هيغل مادة للتأمل. فالفيلسوف الذي رأى أن الأمم لا تُفهم إلا من خلال حركة التاريخ، وأن الأحداث ليست وقائع منفصلة بل حلقات في مسار طويل، يقترب، بطريقة أو بأخرى، من المنهج الذي طالما استحضر جعجع منطقه في خطاباته ومراجعاته. فهو كثيراً ما يعود إلى التاريخ ليقرأ الحاضر، وكأن السياسة عنده ليست فن إدارة اللحظة فحسب، بل فن فهم ما سبقها. وربما لهذا السبب يبدو، في أحاديثه، أقل انشغالاً بالحدث اليومي وأكثر اهتماماً بالسياق الذي أنتجه.

هناك سياسيون يصنعهم المنصب، فإذا غادرهم غابوا معه. وهناك آخرون تصنعهم اللحظة، فإذا انقضت انقضوا. أما جعجع، فهو من أولئك الذين صنعتهم المحنة. دخل الحرب شاباً في الثالثة والعشرين من عمره، وخرج منها أحد أبرز وجوهها. ثم دخل المعتقل، وخرج منه إلى السياسة، حاملاً معه ذاكرة بلد بأكمله. خمسون عاماً في الحياة العامة ليست رقماً في السيرة الذاتية، بل تراكم من الهزائم والانتصارات، من رفاق السلاح والخونة، من الصمت والكلام، ومن القدرة النادرة على البقاء في قلب المسرح السياسي، مهما تبدلت المسرحية.

لم يصعد اسمه دفعة واحدة، بل تدرج مع تدرج الحرب نفسها. عرفته الجبهات قبل أن تعرفه المنابر، وعرفته غرف العمليات قبل أن تعرفه قاعات المؤتمرات. أدار النواة الأولى لرجاله كما يدير الثوار فرقهم العسكرية. صعد إلى الجبال والمغاور والأديرة الشمالية، وفتح أبواب الثكنات للرهبان كذلك، ليظل النضال "مقدساً"، وحث المقاتلين على كِبر النفس وحماية الناس وقراءة الكتب.

في زمن كانت البنادق تتقدم على الكلمات، برز قائداً ميدانياً داخل القوات اللبنانية، قبل أن يتولى قيادتها عام 1986، في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ التنظيم، بل في تاريخ المسيحيين السياسي خلال الحرب.

في شخصيته شيء من الطبيب الذي لم يغادره العلم، وشيء من العسكري الذي لم تغادره الصرامة. يتحدث ببرودة محسوبة، ويستمع أكثر مما يتكلم، ويحسب كلفة الكلمة قبل أن ينطق بها. ليس خطيباً يجرف الجماهير بعاطفته، بل سياسي يبني مواقفه كما تُبنى الكاتدرائيات.. حجراً فوق حجر، أيقونة فوق أيقونة، وهو العارف أن الأبنية التي تُشيَّد على مهل، هي وحدها التي تقاوم العواصف.

كان يمكن للسجن أن يكون خاتمة حكايته، لكنه تحول إلى فصل جديد منها. أحد عشر عاماً خلف الجدران، في زنزانة انفرادية، كانت كافية لإنهاء الحياة السياسية لأي رجل. لكنها، في حالته، صنعت مفارقة لبنانية نادرة. فكلما ابتعد جسده عن الناس، ازداد حضوره في مخيلتهم. ففي لبنان، لا يخرج الإنسان من السجن كما دخله، بل يخرج وقد صار جزءاً من السردية الوطنية، أو من الانقسام الوطني، وفي الحالتين يصبح اسمه أكبر من شخصه.

منذ عودته إلى الحياة السياسية، بدا وكأنه اختار معركته الأساسية: بناء حزب أكثر من بناء زعامة، وقضم المزيد من النفوذ والشعبية رويداً رويداً. لذلك بقيت القوات اللبنانية المؤسسة التي تشبه رئيسها في الانضباط والتنظيم، أكثر مما تشبه الأحزاب التي تقوم على المزاج أو الوراثة أو اللحظة.

لم يكن سمير جعجع الرجل الذي يسعى إلى إرضاء الجميع. وربما أدرك مبكراً أن الناس والسياسة اللبنانية لا تكافئ من يحاول الوقوف في منتصف الطريق. لذلك فضّل الوضوح على المرونة في كثير من المحطات، حتى عندما دفع ثمن ذلك عزلة أو خصومات. هذه السمة جعلته، في نظر مؤيديه، ثابتاً على قناعاته، وفي نظر خصومه، شديد الصلابة إلى حد الجمود. لكنها، في كل الأحوال، أصبحت جزءاً من تعريفه السياسي.

يصعب الحديث عن جعجع من دون الحديث عن التحولات التي عرفها لبنان نفسه. فهو ابن الجمهورية التي ولدت مع الاستقلال، وشاهد على انهيارها في الحرب، وأحد اللاعبين في إعادة تركيبها بعد الطائف، ثم أحد أبرز وجوه الصراع على مستقبلها في العقود الأخيرة. لذلك، فإن قراءة الرجل ليست منفصلة عن قراءة الدولة التي عاش داخل أزماتها. لقد بدا، في كثير من المحطات، وكأنه يراهن على الزمن أكثر مما يراهن على التسويات العابرة، مؤمناً بأن التاريخ، مهما تأخر، يعود دائماً ليحاسب الجميع.

ربما لا يكون الإرث الحقيقي لأي سياسي هو عدد المناصب التي شغلها، بل عدد الأسئلة التي تركها وراءه. وسمير جعجع من الشخصيات التي يصعب المرور بها من دون سؤال: كيف استطاع أن يبقى حاضراً بعد كل هذه العقود؟ وكيف حافظ، وسط التبدلات اللبنانية العاصفة، على هوية سياسية بقيت واضحة المعالم، سواء أيدها الناس أم رفضوها؟

بعد خمسين عاماً، لم يعد سمير جعجع مجرد اسم في الحياة السياسية اللبنانية، بل أصبح جزءاً من تاريخها الحديث. شخصية لا يمكن كتابة فصول الجمهورية الثانية من دون التوقف عندها، لا باعتباره بطلاً مطلقاً ولا خصماً مطلقاً، بل باعتباره أحد الرجال الذين تركوا بصمتهم العميقة في زمن كان قاسياً على الجميع، ولكن كان الأقسى عليه.

في النهاية، لا ينجو الإنسان، مهما فعل، من التاريخ. إما أن يكتب التاريخ، أو يكتب التاريخ عنه. ويبدو أن سمير جعجع، بعد نصف قرن، قد حصل على الأمرين.

*باحث ومحلل سياسي