في زمن تتكاثر فيه الأزمات وتتشابك العناوين اللبنانية إلى حدّ الإرباك، تبدو العودة إلى ذكرى الأباتي شربل قسيس فعل قراءة تاريخية لا ترفًا استذكاريًا، لأن الرجل ارتبط بلحظة تأسيسية في مسار الصراع على هوية الدولة وسيادتها، وهي لحظة لا تزال الدولة اللبنانية عاجزة عن استعادتها بوصفها مرجعية سيادية ناظمة لحياتها السياسية.
هناك شخصيات لا تُقرأ فقط في سيرتها، بل في المرحلة التي ساهمت في صياغتها. شخصيات يتداخل فيها الخاص والعام إلى حدّ يصعب معه الفصل بين الفرد والمؤسسة، بين القرار الشخصي والمسار الجماعي. الأباتي شربل قسيس ينتمي إلى هذا النمط من الرجال الذين ارتبط اسمهم بمرحلة مفصلية من تاريخ لبنان الحديث، بحيث أصبح ذكره ملازمًا لذكر الرهبنة اللبنانية المارونية في زمن الحرب.
وُلد كاهنًا عام 1955 في جامعة الروح القدس – الكسليك، قبل أن يُرسَل في مهام خارجية إلى داكار ثم إلى بلجيكا لمتابعة دراساته في العلوم السياسية والاجتماعية. هذا التكوين المزدوج - لاهوتي وأكاديمي - أسّس لشخصية تدرك تعقيدات الاجتماع السياسي، ولا تختزل الرهبنة في بعدها الروحي الصرف. عودته إلى لبنان عام 1967، ثم انتخابه نائبًا عامًا للرهبنة عام 1968، وضعاه في قلب التحولات التي أعقبت اتفاق القاهرة عام 1969، حين بدأ ميزان السيادة اللبنانية يختلّ تدريجيًا.
عندما انتُخب رئيسًا عامًا للرهبنة عام 1974، كان لبنان يقف على حافة الانفجار. لم تكن رئاسته استمرارًا إداريًا لسابقيه فحسب، بل انتقالًا إلى دور مختلف فرضته الوقائع. مع تراجع الدولة وانقسام مؤسساتها، برزت الرهبنة، بقيادته، كفاعل مؤسساتي يسعى إلى ملء فراغ سياسي وأمني متعاظم. في الكسليك، نشأت لجنة بحوث هدفت إلى بلورة رؤى حول حماية السيادة وصياغة مقاربات فكرية للأزمة اللبنانية. لم يكن الأمر خروجًا عن الدور الكنسي، بل إعادة تعريف له في سياق تاريخي استثنائي.
في هذا المناخ وُلدت "الجبهة اللبنانية"، وعُقدت اجتماعاتها في مقار رهبانية، في تداخل واضح بين الفضاء الديني والقرار السياسي. شارك الأباتي قسيس إلى جانب شخصيات سياسية وفكرية بارزة، وأسهم في إدارة الخلافات الداخلية، وفي طرح أفكار كانت تُعتبر في حينه من المحظورات، كالفدرالية ضمن إطار وحدة الدولة. بالنسبة إليه، لم يكن النقاش حول الصيغ الدستورية تمرينًا نظريًا، بل محاولة لحماية الكيان في مواجهة انهيار شامل.
طوال ست سنوات من ولايته، بقي في صلب الحدث، سواء في الدفاع المعنوي عن المناطق المهددة، أو في إدارة شبكات الإغاثة، أو في تثبيت حضور الرهبنة كمرجعية اجتماعية. ومع انتهاء ولايته عام 1980، سلّم الأمانة ضمن تقليد ديمقراطي رهباني راسخ، وعاد إلى حياة أكثر هدوءًا. غير أن حضوره الرمزي لم يتراجع فبقي اسمه مرتبطًا بتلك المرحلة التي تحوّلت فيها المؤسسة الرهبانية إلى فاعل وطني مباشر.
دراسة الأباتي شربل قسيس لا تُختزل في سرد بطولي، بل تُدرج في تحليل علاقة الكنيسة المارونية بفكرة لبنان نفسها. لقد جسّد نموذجًا لرجل دين قرأ لحظته التاريخية، وتعاطى معها باعتبارها مسؤولية تتجاوز الجدران الحجرية للأديرة. لذلك، كلما تعمّق البحث في تاريخ الحرب اللبنانية، يتكرّس اسمه كأحد العناوين التي تشرح كيف تداخل الإيمان بالسياسة، والرهبنة بالكيان، في واحدة من أكثر مراحل لبنان تعقيدًا.