إشراك الأطفال بمهام صغيرة تناسب سنهم تكسبهم مهارة حياتية أساسية تنمّي لديهم حسّ المسؤولية وتزرع فيهم بذور الانضباط والالتزام ليكونوا مواطنين صالحين في المجتمع. كما تمنحهم فرصة التعلّم من الأخطاء والتجارب والقدرة على الاعتماد على الذات لمواجهة التحديات مستقبلًا.
يُخطئ من يحمّل الطفل مسؤولية كراشدٍ من دون الأخذ بالاعتبار سنه ومقدار وعيه ودوره في العائلة والمدرسة ومحيطه ومدى إمكانية تنظيمه للمسؤوليات والالتزام بها واكتساب مهارات جديدة. فهو يمكن أن يتحمّل مسؤولية توضيب ألعابه وترتيب غرفته مثلًا والاهتمام بنظافته الشخصية كالاستحمام وتنظيف الأسنان، وذلك بما يتناسب مع قدراته الحركية. أمّا في المدرسة، فمنذ صفوف الروضة يُدرّب على توضيب الأغراض التي استخدمها وإعادة كرسيّه إلى مكانه واكتساب مهارة انتظار الدور ورفع اليد والوقوف في الصف وغيرها من المهام الصغيرة التي تعلّم المسؤولية.
ولا تقتصر تلك المسؤولية على تنفيذ المهام فحسب وفق المعالجة النفسية ماريان عيد بو ضومط، بل تنسحب أيضًا على تحمّل مسؤولية السلوك وكيفية التصرّف، أي تدريبه على تصحيح سلوكه إذا أخطأ، كالتقاط ورقة وقعت منه ومسح الطاولة في حال اتسخت عند تناوله الطعام أو شرب الماء. فتلك الأمور تعلّم الطفل كيفية تعويض الخطأ وتصحيحه عندما يصبح راشدًا. كما تُشعره بالاستقلالية والقدرة الذاتية وتنمّي ثقته بنفسه والاتكال على ذاته وليس على الآخرين.
إلى ذلك يصبح واثقًا بمهاراته وكفاياته وقدرته على المحاولة رغم هامش الخطأ، لأن الدماغ ينمو في هذه المرحلة تدريجًا وكذلك الشخصية إضافة إلى بناء سلوك يستطيع التأقلم من خلاله في المجتمع، ويكون متطوّرًا فكريًا ونفسيًا وعاطفيًا وقادرًا على التعامل مع مشاعره فلا يشكّ بقدراته عند الفشل ولا يعتمد على الغير. بل على العكس يتعلّم من نتائج أفعاله وسلوكه وكيفية تنظيم أفكاره ومشاعره وحماية نفسه من الضغوط وتقبّل الملاحظات الإيجابية البناءة تمهيدًا لسن الرشد. فينمو لديه حسّ الانضباط، من دون أن يكون راضخًا أو متلقيًا بل مدركًا لقدرته على المبادرة وتصويب الأمور وكسر حاجز الخوف في مكان معيّن.
ومن المهم وفق بو ضومط ترسيخ السلوكيات المتعلقة بالروتين اليومي أي الطعام والنوم والاستحمام والترتيب وكيفية الاعتناء بالأغراض الشخصية والمحافظة عليها واحترام قوانين المنزل والحدود بين الأشخاص مثلما يحصل في المدرسة، والاتفاق ما بين أفراد العائلة على نظام موّحد للالتزام به. ودعت إلى الإفساح في المجال أمام الطفل لاختيار ملابسه وتقديم احتمالات واضحة للمهام غير قابلة للتفاوض أو الرفض ولكن من ضمن التوقيت الذي يراه الطفل مناسبًا مثل ترتيب أغراضه قبل تناول العشاء أو بعده. فالاختيار يمنحه الشعور بالقدرة على السيطرة ويفسح في المجال أمام الخطأ ليتعلم الربط ما بين السلوك والنتيجة. موضحة أهمية أن تكون الإشادة موّجهة نحو الانجاز وليس نحوه بشكل خاص للتركيز على قيمة المجهود والمحاولة حتى لو لم تكتمل. كما تهنئته لعدم تنصّله من المسؤوليات فيشعر بأنه مرغوب بغض النظر عن سلوكه والنتائج التي حققها.
وتضيف أن مبدأ العقاب مرفوض في علم النفس لأنه يترك أثرًا موجعًا عند الطفل، لذا من الضروري التركيز على الاعتراف بالخطأ للتصحيح فالتعلّم، وكذلك على كيفية إدارة انفعالاته ومشاعره وردود فعله والمبادرة بهدف تطوير المهارات ومشاركة الآخرين باحترام. فمن شأن ذلك التأثير في مستقبل المجتمع وتطوّره، حيث أن المسؤولية تعلّم الطفل منذ صغره احترام نفسه والآخرين والالتزام بالقوانين والنظر إلى الأمور بإيجابية أكثر، فيكون قادرًا في المستقبل على وضع أهداف مشتركة والتعاون مع الآخرين فينمو مواطنون قادرون على التعاون مع المحيط وتنظيم أنفسهم بنطاق العائلة والمجتمع المدني.
وعن سلوكيات الأهل التي تُضعف حسّ المسؤولية لدى الأبناء، تجيب: "قلق الأهل المبالغ فيه وشعورهم بالتقصير تجاه أولادهم، اعتماد الحماية المبالغة والاهتمام المبالغ من دون إسناد أي مهام لهم كي لا ينزعجوا فضلًا عن الإفراط في الدلال من دون تعليمهم المسؤولية إضافة إلى الحبّ المشروط والمرتبط بسلوك أو هدف معيّن. وكذلك تأنيب الطفل بقساوة عند الخطأ بدلًا من تعليمه كيفية إدارة انفعالاته وتصحيح أخطائه".
وتشدد على أهمية أن تكون القواعد واضحة بالنسبة إلى الأهل وماذا يتوقعون من ابنهم، الذي يعرف في المقابل ما المطلوب منه. فتنصح بالبدء بمهام صغيرة واضحة وقصيرة تُحدّد بكلمات بسيطة غير معقدة مقسّمة بشكل تدريجي بحسب نموّه الفكري والعمري. إلى ذلك يجب أن يعي الأهل أنهم المثال لطفلهم والقدوة سلبًا وإيجابًا، فإذا كانوا فوضويين وانفعاليين غير قادرين على الالتزام والاعتذار عند الخطأ للتصحيح والتعويض لا يمكنهم أن يطالبوا أطفالهم بالالتزام بالقوانين والأنظمة.
أهمية الأنشطة تعزز الأنشطة بأشكالها كافة مبادرة الطفل ومهاراته الاجتماعية من ضمن مجموعة. لذا من المهمّ أن يدرك المعلّمون أهمية دورهم في تعزيز ثقة الطفل بنفسه وتطوير ضعفه ومساعدته في التعبير بحرية من دون خوف ليشعر بمسؤولية تجاه المهام الموكل بها. فيتعلّم كيفية التعاون مع الآخرين واحترامهم واحترام القوانين والالتزام بها. فينمو لديه شعور بالفخر والثقة والقدرة على الاعتماد على نفسه وإيجاد الحلول من دون الارتباط بأحد، كما تحمّل نتائج سلوكه. |
