تواصل إسرائيل تدريجيًا وأمام أعين العالم، ابتلاع أراضي الضفة الغربية المحتلة بقوة السلاح والاستيطان والهدم والتشريعات غير القانونية، كان آخرها قرار إسرائيلي يجيز تسجيل وتسوية أراضٍ في الضفة باعتبارها أراضي دولة، في خطوة تفتح الباب أمام تسجيل هذه الأراضي رسميًا باسم السلطات الإسرائيلية واستخدامها في التوسّع الاستيطاني.
يعدّ هذا القرار الأول من نوعه الذي تقرّه حكومة إسرائيلية منذ احتلال الضفة عام 1967، ويثير جدلًا قانونيًا، إذ إنه يتعارض مع مبادئ القانون الدولي التي تنص على أن السلطة القائمة بالاحتلال لا يحق لها إحداث تغييرات دائمة في القوانين السارية في الأراضي المحتلة أو نقل ملكية الأراضي العامة إلى مواطنيها.
في التقديرات الإسرائيلية، فإن 85 في المئة من أراضي المنطقة "ج" التي تخضع للسيطرة الإدارية والأمنية الإسرائيلية، وفق اتفاقات أوسلو، ستُسجّل كأراضي دولة والإبقاء على 15 في المئة فقط للفلسطينيين إذا استطاعوا تثبيت ملكيتها. كما يتضمّن القرار فتح سجل الأراضي المعروف بـ "الطابو" في الضفة الغربية، والذي كان سرّيًا، ما يسمح بالاطلاع على بيانات الملكية العقارية، الأمر الذي قد يؤدّي إلى تواصل مباشر مع أصحاب الأراضي الفلسطينيين والضغط عليهم بشتى الطرق لشرائها أو تسوية أوضاعها القانونية، ما سيسهّل عملية الاستحواذ الإسرائيلي على الأراضي والعقارات.
والأخطر أن هذا سيشمل للمرّة الأولى منطقتي "أ" و "ب" الخاضعتين لإدارة السلطة الفلسطينية بدرجات متفاوتة، ما يمثل انقلابًا على الاتفاقات الموقعة بين "منظمة التحرير الفلسطينية" وتل أبيب في تسعينات القرن الماضي، وبالتالي إلغاءً عمليًا لدور السلطة الفلسطينية وسيادتها في هذه المناطق.
ففي السياق القانوني، "التسوية" تعني إجراءً رسميًا يتم خلاله فحص الادعاءات بالملكية، وتحديد الحدود، وتسجيلها بشكل نهائي في سجل رسمي. وهذه العملية، إذا استُكملت، تُحوّل الأراضي من حالة "نزاع" إلى وضع قانوني محدّد ونهائي. وهنا الخشية من أن تؤدّي عملية التسوية، في ظلّ الواقع القائم، إلى تكريس السيطرة الإسرائيلية الدائمة على أجزاء واسعة من الضفة، وإطلاق رصاصة أخرى على حلم الدولة الفلسطينية.
هذا القرار بلا شك يأتي في إطار إعلان الحرب المستمرّة ضدّ الشعب الفلسطيني ومحاولة لمصادرة المزيد من الأراضي وتوسّع الاستيطان، وبمثابة ضوء أخضر إضافي للاعتداء على سكان الضفة وإلغاء كل الاتفاقات المتعلقة بتقسيم الأراضي "أ"، "ب" و"ج". فالضفة ليست مجرّد مساحة جغرافية، بل هي محور مشروعين متنازعين. لذا، فإن أي خطوة تمسّ ملكية الأرض تحمل انعكاسات مباشرة على فرص قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا، وعلى شكل أي تسوية سياسية مستقبلية.
وسواء اعتُبر القرار إجراءً تنظيميًا أو تحولًا استراتيجيًا يخدم الأهداف الاستيطانية، فإن أثره يتجاوز الأوراق والخرائط ليطول جوهر الصراع على الأرض والهوية والسيادة. وفي واقع تتشابك فيه الجغرافيا بالقانون والسياسة، قد تتحول عملية "التسوية" إلى إحدى أكثر الخطوات تأثيرًا في إعادة تشكيل واقع الضفة في السنوات المقبلة.