الدكتور سايد حرقص

بين المصلحة الشخصية وبناء الدولة

4 دقائق للقراءة

​في كتابه "الدبلوماسية"، يميّز هنري كيسنجر بين السياسي الانتهازي الذي يرزح تحت وطأة هاجس الانتخابات، ورجل الدولة الذي يفكّر بمنطق التاريخ وبناء الأوطان. فالسياسي السطحي والانتهازي يقيس نجاحه بعدد الأصوات وشعبية اللحظة، ساعياً لإرضاء قاعدته الانتخابية بأي ثمن، حيث يختزل قراراته في مكاسب آنية، حتى لو تطلب الأمر اعتماد أساليب ملتوية لتضليل الجماهير. أما رجل الدولة، فيمتلك رؤية استراتيجية تتجاوز المدى الزمني للدورة الانتخابية؛ إذ يوازن بين المصالح المتعارضة، ويقدّم مصلحة الوطن العليا على الاعتبارات الشخصية والظرفية، حتى وإن كبّده ذلك خسارة شعبية مؤقتة.

​في لبنان، يبدو هذا التمييز ضبابياً في الوعي الشعبي؛ فالمشهد السياسي غالباً ما يكون ملبداً بغبار العصبيات العاطفية، والصراعات الحزبية، والمحاصصة الطائفية، والزبائنية المتجذرة في البنية الاجتماعية. كما أن صورة "الزعيم" الراسخة في الذاكرة الجماعية لا تزال محكومة بثقافة الخوف: الخوف من الآخر، ومن التغيير، ومن كل جديد يهدد التوازنات التقليدية. وبناءً عليه، يقيّم المواطن الأداء السياسي وفق مصالحه المباشرة وانتماءاته العاطفية، بينما يعمل رجل الدولة خارج هذا الصندوق الضيق، سعياً لإرساء استقرار مستدام قد لا تنضج ثماره إلا بعد سنوات.

​يتجلى هذا التباين بوضوح عند النظر إلى مسيرة بعض الشخصيات اللبنانية. فميشال عون، على سبيل المثال، يمثّل نموذج السياسي الذي غلّب الطموح الشخصي على ثبات الموقف؛ إذ شكّلت مسيرته وتحالفاته المتبدلة انعكاساً لبراغماتية مفرطة ركزت على "المصلحة الخاصة" معياراً وحيداً، ولو كان ذلك على حساب الأخلاقيات السياسية والمصداقية الوطنية. وقد عبّرت النائبة ندى البستاني عن هذا المنطق بوضوح حين قالت: "يحقّ لنا التحالف الانتخابي مع أيّ مكوّن بما يخدم مصلحة التيار"، وهو اختزال صريح يقدّم المصالح الفئوية الضيقة على الرؤية الوطنية الشاملة.

​في المقابل، يبرز سمير جعجع كنموذج مغاير؛ فقد أمضى أحد عشر عاماً في معتقله، متشبثاً بمواقفه السياسية ومتحملاً تبعات خياراته الوطنية. ورغم المساعي الحثيثة التي بذلها النظام السوري والآلة الإعلامية المرتبطة بالرئيس الأسبق ميشال عون لتشويه حضوره، إلا أن تلك السرديات بدأت تصطدم اليوم بالحقيقة التاريخية وبشهادات ميدانية لضباط سابقين في الجيش اللبناني، وثّقوا ما حدث في تلك الحقبة المظلمة. لقد ساهمت شهادات العمداء المتقاعدين جورج نادر، وأنطوان أبي سمرا...، وغيرهم من ضباط المرحلة السابقة، في تصحيح التشويه التاريخي ودحض الروايات المخابراتية، مؤكدةً أن لبنان شهد حملات بروباغندا ممنهجة لتزييف الوقائع خدمةً لأجندة الوصاية.

​وبعيداً عن الأشخاص، تكشف التجربة اللبنانية المعاصرة غلبة "سياسات الترقيع" وطرح حلول سطحية للمشاكل الشائكة بهدف دغدغة مشاعر الجماهير المحبطة. ويتضح ذلك في المقاربات الاقتصادية التي تعتمد توزيع المساعدات لامتصاص الغضب الشعبي بدلاً من إطلاق إصلاحات بنيوية تعالج جذور الانهيار، كما نلمس في تعاميم مصرف لبنان المتعلقة بأزمة المودعين. هذا النمط يعكس عقلية السياسي الذي ينشد تهدئة اللحظة، لا معالجة الخلل البنيوي، في وقت ندرت فيه المبادرات التي تتجاوز المناكفات اليومية نحو بناء مؤسسات مستقلة وبنية تحتية مستدامة.

​يبقى السؤال الجوهري: هل يستطيع اللبنانيون التمييز بين السياسي الوصولي ورجل الدولة؟

إن الإجابة ليست بالبساطة المتوقعة؛ فالمشكلة لا تكمن فقط في تعقيد المشهد، بل في الثقافة السياسية القبلية التقليدية السائدة وضعف الانتماء الوطني عند شريحة واسعة من حملة الجنسية مما يدفع الناس والإعلام الى تقييم الزعامة بحجم الخطاب التعبوي الغرائزي والدعم الخارجي لا بعمق الرؤية، وبالقدرة على شحن العواطف لا بمتانة المشروع الوطني.

​إن المجتمعات لا تنهض إلا حين يتعمق الوعي والانتماء الوطني مما يدفع المواطنين الى دعم قيادات تفكّر في التاريخ ومستقبل الوطن لا في صناديق الاقتراع، وتبني للمستقبل لا للدورة الانتخابية المقبلة. الدرس المستفاد من كيسنجر ومن تجارب الدول المستقرة هو أن بناء الدولة يتطلب انتماء وطنيا صلبا ورؤية بعيدة الأمد، ومؤسسات قوية، وقيادة تملك الجرأة على تحمل كلفة القرار الصعب من أجل المصلحة العامة. إنّ التمييز بين "السياسي الانتهازي" و"رجل الدولة" ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية؛ والتحدي الأكبر يكمن في رفع مستوى الانتماء الوطني والوعي الشعبي ليتمكن المواطن من رؤية ما وراء الشعارات، ويميز بين من يتقن تسويق الوعود البراقة الكاذبة، ومن يخطط فعلياً لمستقبل وطن يتجاوز الأشخاص والعهود.