كلما طفا ملف الضرائب والرواتب على السطح، وانفجر معه السجال في الشارع وأروقة السياسة، تنحصر النقاشات غالبًا في المعالجات التقنية والهندسات المالية والموازنات، كأن الأزمة مجرد عجز إداري أو قصور في الأداء الحكومي.
في الواقع، إن المعضلة اللبنانية، بتشعباتها السياسية والاقتصادية، لا يمكن وضعها في صندوق واحد أو مسبّب وحيد. هي مزيج معقد من إشكاليات بنيوية تضرب جذورها في النظام السياسي، وعقلية تدير البلاد بمنطق "الترقيع". ومهما كانت نوايا الحاكم أو المسؤول نزيهة ورشيدة إلا أنها ستصطدم بحائط المركزية. لذا، إن اعتماد النظام الاتحادي (الفدرالي) في لبنان، من شأنه تفكيك الملفات المالية والجبائية الشائكة إلى جانب قضايا مفصلية ووجودية، فعندما يتولى كل "كانتون" إدارة موارده وتغطية نفقاته ذاتيًا، تتحول المحاسبة من شعار مستحيل إلى واقع ملموس. والسبب يكمن في كسر حلقة "الفيتوات المتبادلة" التي تشل الدولة المركزية، حيث تُجهض أي محاولة لمساءلة مسؤول ما بذريعة استهداف طائفته وتهديد السلم الأهلي. في النظام الاتحادي، تسقط ذريعة "استهداف المكون"؛ إذ تدير كل وحدة شؤونها الحياتية والسياسية بشكل مستقل، مما يلغي "البعبع" الناتج عن الآخر كحجة للتهرب من الرقابة، ويسمح لكل "حكومة محلية" بتحديد حجم كادرها الوظيفي بدقة وشفافية.
علاوة على ذلك، يحرر النظام السياسي اللامركزي السلطة المحلية من قيود "التوازن الطائفي" التي أدت إلى جانب الزبائنية السياسية إلى تضخم ملاكات الدولة. ففي النظام المركزي، تُستحدث الوظائف أحيانًا لا لسد حاجة إدارية، بل لإرضاء التوازنات الطائفية. وتشير الأرقام في هذا الإطار، إلى أن عدد الموظفين في القطاع العام يبلغ نحو 320 ألف شخص، يشكلون 30 % من حجم القوى العاملة في لبنان، ما يعني موظف عام واحد، لكل 14 أو 15 مواطنًا، في حين أن المعيار المعتمد عالميًا في الدول الرشيقة والناجحة وعدد سكانها يفوق لبنان أضعافًا مثل اليابان، تبلغ النسبة 6 % فقط، وفي فرنسا وألمانيا لا تتعدى 14 %.
حتى لو لجأت السلطة المركزية إلى إعادة هيكلة القطاع العام، وشطب التزاماتها تجاه المتقاعدين، فإنها لا تحل الأزمة بل تولّد كارثة أخرى؛ فهي بذلك توغل في توسيع "طائفة الفقراء" وتدفع بجيوش جديدة نحو البطالة القسرية. إن حرمان المتقاعد عسكريًّا كان أم مدنيًّا من معاشه الذي يمثل صمام أمانه الأخير في سن العجز، ليس إجراءً تقشفيًّا، بل هو حكم بالإعدام المعيشي. في المقابل، لو نُقلت هذه الأعباء إلى إطار "الحكومة المحلية"، حيث يتحمل كل إقليم مسؤولية أبنائه عبر جباية ذاتية ونظام ضريبي محلي، سينقذ المركزية وماليتها من هذا العبء، ويصبح تأمين العيش الكريم للمتقاعد شأنًا محليًّا مباشرًا.
وفي الدولة الاتحادية، تصبح الكفاءة والحاجة الفعلية هي المعيار؛ إذ تمتلك كل منطقة الصلاحية الكاملة لتحديد عديد موظفيها في قطاعات حيوية كالعدليات، ومصالح تسجيل السيارات (النافعة)، والتربية، وأجهزة الشرطة، بما يتناسب مع حجمها وميزانيتها، ويفرض رقابة ذاتية ويقلل من التوظيف العشوائي المرتبط بالمحاصصة المركزية.
وتسمح اللامركزية السياسية، بتطوير أنظمة ضرائبية تنافسية تجذب الاستثمارات. كما تضمن بقاء جزء كبير من الضرائب المحصلة داخل الولاية لتطوير بنيتها التحتية، بدلًا من تحويلها لمركز يفتقر للشفافية. وتزداد فعالية تحصيل الضرائب عندما يرى المواطن أثر أمواله مباشرة في منطقته، مما يقلل من التهرب الضريبي الذي تعجز الدولة المركزية عن ضبطه.
في الخلاصة، ومن باب الفكاهة، تجسد "نوادر جحا" واقع الدولة المركزية وتناقضاتها. يُحكى أن جحا استلقى يومًا تحت شجرة جوز كبيرة، وبجواره حقل يمتلئ بشتلات البطيخ. وبينما هو يتأمل ثمار الجوز الصغيرة، صاح معترضًا: "يا للسخرية! كيف تمنح هذه الشجرة العظيمة ثمارًا ضئيلة، بينما تحمل تلك الشتلات الضعيفة ثمار بطيخ ثقيلة؟. وما إن أتمّ عبارته حتى سقطت حبة جوز على وجهه، فصرخ نادمًا: "ما أعدل تدبيرك يا الله، فلو كان مكان الجوز بطيخًا لهلكتُ في ساعتي". تجسد الدولة المركزية نموذج هذه الشجرة، لكنها تحمل على أغصان سلطتها المتهالكة ملفات "بطيخية" بدل حبّات الجوز الصغيرة، ما يجعل سقوط هذه الثمار الثقيلة حتميًا، لا ينجو منها المجتمع المستظل بأفيائها.