بشير يوسف مطر

أميركا وإيران... ما بين الحرب والصفقة: المطلوب واحد

7 دقائق للقراءة

لا شك أن الوضع الذي تعيشه منطقة الشرق الأوسط غير مسبوق منذ زمن طويل بحيث بدا معه أن هناك قرارًا كبيرًا بإنهاء هذا الوضع الشاذ الذي بدأ منذ عقود بعودة الإمام الخميني من باريس وسقوط الشاه وانتصار ما عرف بالثورة الإسلامية.

يقول النائب اللواء أشرف ريفي: كنت ضابطًا أجري دورة في فرنسا وأصبح لي أصدقاء من الضباط الفرنسيين، أحدهم اصطحبني يومًا في مشوار إلى باريس بسيارته ومررنا بجانب قرية place de chateau فسألني هل تعني لك شيئًا، تذكرت أنها مارة في ذهني ولكن لا أعلم بالتحديد أين، ذَكَّرني زميلي الضابط أنها البلدة الفرنسية التي استضافت الخميني وكان هو ضابط استخبارات في حينها يساهم في حماية المكان، قبيل عودته إلى طهران وقد رافقه الضابط المذكور في الطائرة التي أقلته من باريس. كانت المخابرات الغربية تسجل للخميني خطبه وتوزعها في أنحاء العالم بحسب ما قال الضابط الفرنسي لمضيفه اللبناني، وعندما سأله ريفي: كيف للنظام الغربي أن يساهم في إسقاط حليفه "الشاه" لصالح غريمه الخميني، أجابه الضابط: ستتذكر ذلك بعد ثلاثين أو أربعين عامًا!!!!

تختصر هذه الرواية الكثير من السياقات التي أتت بعدها، من الحرب الإيرانية - العراقية، إلى نشوء "حزب الله" وتفجير مقر المارينز في بيروت، إلى عاصفة الصحراء واتفاق أوسلو، إلى 11 أيلول واجتياح العراق واغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري وانسحاب سوريا من لبنان، إلى أحداث ما اصطلح على تسميته بالربيع العربي.

إنتقل التركيز من الصراع العربي الإسرائيلي، إلى صراع شيعي - سني، تفاخر قاسم سليماني باحتلال إيران لأربع عواصم عربية، تم تسمين العجل وحان الوقت مع أول إشارة كبيرة تمثلت بإعطاء أمر مباشر من ترامب لاغتيال سليماني في لحظة شعر معها المرشد أن حائط دعم كبيرًا قد إنهار على رأسه وأن هناك شيئًا ما في تركيبة النظام بدأ بالانهيار. الرد الهزلي على اغتيال سليماني عبر إنذار أميركا بإخلاء قاعدة عين العرب أضاف إلى مشهد السقوط سخرية الضعف على الأميركي والاستقواء فقط على أبناء الدول العربية.

بدا أن هناك متغيّرًا كبيرًا قادمًا على الطريق لا تنفع معه مناورات إيران، حتى جاءت معه لحظة 7 أكتوبر. أذكر كنا في معراب صباح ذلك اليوم في خلوة لجهاز الإعلام والتواصل، دخل علينا الدكتور سمير جعجع ولَمّا تنجلي بعد ارقام القتلى والمختطفين الإسرائيليين فقال: من خلال المعطيات الأولية يا شباب يبدو أننا أمام 11 أيلول شرق أوسطي سَيُغَيِّر وجه المنطقة.

وكان ما كان من حرب غزة ولبنان وسقوط الأسد، وانهيار وتضرر محور إيران بكافة أذرعه. أصبحت الصورة واضحة: انتهى زمن الميليشيات العابرة للخرائط والمذاهب والدويلات داخل حدود الدول، إلى اتفاقات السلام والإعمار والتركيز على التنمية دُر.

المشهد القائم اليوم بين أميركا وإيران يجمع بين هذين النقيضين: مفاوضات جارية وتحضيرات عسكرية لحرب وشيكة.

اليوم أصبحت طهران هي من تسعى إلى المفاوضات وتقدم التنازلات تلو الأخرى ولكنها تدرك أنها كل ما قدمت شيئًا طُلِبَت منها أشياءُ، قادتها يشددون على عدم التنازل ومفاوضوها يقدمون تنازلًا تلو الآخر تفاديًا للضربة وحفاظًا على النفوذ. يدرك هؤلاء القادة أن الفكر الديني الذي حكم مسارهم كل تلك العقود لم يعد يجد له آذانًا صاغية في عالم اليوم من الذكاء الاصطناعي، لن ينتظر شاب يجلس جائعًا على رصيف طهران تسليم الراية للإمام المهدي وقد بلغ سعر صرف التومان الايراني أكثر من مليونين مقابل الدولار، وفي المقابل الملالي أسرى ما تم حشوه في رؤوس المريدين والجماعات داخل ايران وفي المنطقة.

الأميركي موقفه واضح: التغيير الكامل والجذري مقابل حوافز اقتصادية ورفع للعقوبات، صفر تخصيب وأذرع، مدى صواريخ بالستية لا يتعدى الحدود بين طهران وخرمتشاه داخل ايران!!

هذا انتحار وهزيمة سياسية موصوفة للنظام الايراني فإن ساومت سقطت من الداخل الذي سينتفض على من ركع للغرب وإستأسد عليه، وإن قاومت سقطت أمام أميركا والغرب الذي أرسل عبر أوروبا رسالة واضحة بتصنيف الحرس الثوري الايراني على لائحة الارهاب في خطوة عكست مدى التغيير الحاصل عندما سمحت ايران لنفسها بإعطاء روسيا مسيرات لقصف اوكرانيا، أي أوروبا. النظام الايراني في أضعف لحظاته بعد الانهيار الاقليمي والاستنزاف الداخلي وكل القومية والكرامة الإيرانية التي كانت عنوانًا للاستقواء أصبحت في خبر كان، وضعت طهران شرطًا أنها لن تفاوض تحت الضغط، رفعت أميركا الضغط الى مستويات غير مسبوقة عبر دبلوماسية البوارج الحربية وأتت طهران صاغرة الى الطاولة، وكل يوم يهددها ترامب ولا تفعل شيئًا"، هي لا تستطيع فعل شيء ، كل هذا الجبروت كان يُصرَف فقط في شوارع بيروت ودمشق وبغداد، ومتاجرة لا ترحم بالقضية الفلسطينية وإحتضان للإرهاب العالمي والإسلام السياسي من القاعدة الى الإخوان المسلمين.

تلعب ايران لعبة شراء الوقت لتنتهي ولاية ترامب الذي استعوذت بالشيطان يوم عاد، تغري الشيطان الأكبر كما تكتب في وصفه على جداريات طهران بثلاثة آلاف مليار دولار كي يرضى عنها، أغلب الظن أن ترامب لن يغفر لها أنها خططت وهددت بقتله ولو استعملت هذه الوسائل الرخيصة في مقايضة نظامها فهي تريد من الاتفاق أن يكون فترة تهدئة ووقتًا مستقطعًا لالتقاط انفاسها لتعود فيما بعد إلى أساليبها القديمة وتستطيع على قضاء حوائجها هذه ويا للعجب بالدول العربية أو الاسلامية التي لطالما قاتلتها!!

هذا ما يدركه جيدًا رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يراها فرصة تاريخية ربما لن تتكرر في المدى القريب بعد كل ما جرى من تدمير للأذرع ويحرض حليفه الأميركي على استئصال الورم من أساسه وقطع الرأس كي لا يعود الى الظهور وهو ما يسميه بتغيير وجه الشرق الأوسط، الصفقة عند ترامب تعني استعمال كل الوسائل لضمان نجاح الهدف والهدف واضح.

ترى إيران أن اتفاقًا بهذا الشكل الذي يريده سيؤدي تدريجيًا الى سقوط النظام وانتهاء العقيدة، فلتحارب كي لا تقول إنها ساومت وسلمت الراية، وتلعنها الاجيال القادمة، هذا ما يريده الملالي فيها بينما يرى بعض الاصلاحيين والدبلوماسيين أن الصفقة رغم مساوئها ستبقى أفضل من الضربة العسكرية التي ربما وفي مراحلها الأولى كما رشح من معلومات صحفية دولية ستكون إبتدائية وغير قاضية لإجبار ايران على توقيع الاستسلام وتغيير السلوك وفي حال رفضت فتتوسع بعد ذلك لتشمل إسقاط هذا النظام بالقوة. إيران بدورها كانت قد هددت أنها لا تؤمن بالضربة المحدودة وأي اعتداء عليها سترد عليه بقوة نارية تطال كل شيء، يضحك القادة العسكريون الأميركيون عندما يسمعون هذا الكلام، ويلاقيهم نظراؤهم في غرف عمليات البنتاغون والبيت الأبيض ويتذكرون عندما قالت ايران ذلك في حزيران الماضي وانسحبت من المفاوضات بعد حرب الـ12 يومًا والقصف الأميركي ومن ثم عادت اليوم كالتلميذ الشاطر اليها وكل ذلك برضى المرشد وتوجيهاته، تستميت إيران كي تتجنب الضربة وهذا بحد ذاته نقطة ضعف تفاوضية يستغلها ترامب بطريقته الغريبة التي لم يتعامل العالم بها من قبل.

" هذه البوارج لم تأت الى هنا لأن الطقس جميل"، هذا ما صرح به بالأمس السيناتور ليندسي غراهام خلال زيارته للمملكة العربية السعودية.

"الشرق الأوسط في بداية صيف 2026 سيكون مختلفًا عما قبله"، هذا ما قاله الدكتور سمير جعجع في حديث مع الإعلامي وليد عبود قبل أيام.

يُوشِك فصل جديد أن يُفتَح في المنطقة، الشعب الإيراني قوة إقتصادية وثقافية وعلمية هائلة وبلاد تنام على ملايين اطنان المعادن والثروات، لا يريد لها الغرب بالتأكيد ان تنهار وتؤثر على جيرانها، فإيران ليست بتلك البلاد الصغيرة والإثنية الواحدة، تلك بلاد فارس، يريد صداقتها من جديد، ولكن حان الوقت ليوجه لها التحية بطريقته ولو بلغتها، إذا لم تقبل بلغته، لُغَتِها التي لطالما سَقت منها الدول التي عاثت فيها خرابًا وتفاخرت عند كل محطة وقالت لشعوبها: خوش آمديد.

هذه هي النهاية الطبيعية للأمور والسياق الذي بدأت به إلا إذا قرر أحد الأطراف (أميركا أو إيران) إحداث متغير تاريخي وصادم في موقفه ، والله العليم وله في خلقه شؤون .