جورج يَرَق

القاضي يوسف نصر سلّم الوديعة

دقيقتان للقراءة
القاضي الدكتور يوسف نصر

سلّم القاضي يوسف نصر الأمانة إلى صاحبها العليّ، واستراح بعدما كابد المرض قرابة السنة، مكابدة الصابر المؤمن. وكان قد تقاعد قبل نحو ثلاثة أشهر من مهمته رئيسًا للغرفة الرابعة في مجلس شورى الدولة بعدما أمضى في هذه المهمة ردحًا طويلًا من الزمن، وأقيمت له في المناسبة حفلة تكريمية حضرها كبار القضاة، أُلقيت خلالها كلمات أشاد ملقوها بمزاياه، هو الذي لم تلوّثه الإغراءات ولم تُثنِه الضغوط عن إحقاق الحق، وخصوصًا في هذه المرحلة التي تشهد اختلاط زؤان السياسة بقمح العدالة.

وهو من العصاميين الذين اتكلوا على أنفسهم في مواجهة الحياة. كدّ وجدّ هنا، في لبنان، وفي فرنسا، وعاد بشهادة الدكتوراه في القانون الدولي المقارن، وتدرّج في المناصب إلى أن اختير قاضيًا في مجلس الشورى. ولم يتخلّ عن التدريس في كلية الحقوق بالجامعة اللبنانية، التي تخرّج فيها، وبذا ردّ إليها الدَيْن أضعافًا مضاعفة. وكثيرًا ما سمعت من محامين وقضاة أنهم تتلمذوا له.

وهو ابن عمتي، هيلانة، التي أحببتها كثيرًا، ولطالما رأيتها في ملامحه كلما التقيته. ولا يروح من بالي حضوره قرب سريرها في المستشفى عندما فتك بها مرض خبيث مضى بها إلى البلاد التي لا يعود منها أحد. مرارًا جمعتنا أتراح العائلة وأفراحها. في حفلة عرس يرق يرق، ابن عمي إبراهيم، وبينما كنت وأخي إيلي واقفيْن على حدة، تقدّم منا حبيبنا يوسف، وعلى لسانه: "شو ناطرين، همّوها يا شباب، بدنا نفرح فيكن"، ورددت الردّ الذي أكرره دومًا "العزوبية من أهم إنجازاتي بالحياة، وحريص ع التمسك فيه، إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا". وإلى الآن لم "أهمّها" أنا ولا أخي.

لا أذكر أني ناديته، مرةً، مستبقًا اسمه باللقب الذي يتقدّم، في العادة، على اسم القاضي: الريّس، الرئيس. كنت أناديه بالاسم الذي تناديه به أمُّه. هكذا تعوّدنا نحن أولاد أخواله وعمومته. لا أظنّ أنه كان يتضايق أو يفضل غير ذلك. الودّ والدم أقوى من الألقاب. ولطالما افتخرت به متى ذُكر اسمه في لقاء، أو في مناسبة. إنّه ابن عمتي، أقول معتزًا، كيف لا وهو من القضاة الذين لا يستطيع أحد أن يغبّر على أقفية أحذيتهم. عدا أنه محبّ وغيور وحنون.

خسر القضاء في لبنان قامة قانونية عالية في غياب قاضٍ من عيار يوسف نصر. وخسارتنا نحن، أقرباءه وأحبّته وعارفيه، كبيرة وقاصمة. ما أوسع ذمّة التراب.