كانت أمي تقول دائمًا: "الغرض الذي أضعه في مكانه المخصص يقرّر أن يبدأ حياة جديدة بعيدًا عني!"... وكنت أظنها تبالغ حتى كبرت واكتشفت أن الأدراج ليست أماكن تخزين بل بوابات سريّة لأبعاد موازية، وأن الأشياء في بيوتنا لا تضيع بل تعيد تموضعها وفق جدول زمني لا نُستشار فيه، وجدول دقيق لا يخطئ لحظة الذروة حين يكون التوتر في أعلى مستوياته والوقت يركض أسرع منا بخطوتَين، وكأن في كلّ دُرج لجنة سريّة تجتمع ليلًا لتقرّر أي غرض سيُضحّى به هذا الأسبوع حفاظًا على التوازن الكوني داخل المنزل.
أضع الغرض بعناية، أُطمئن نفسي بأنني هذه المرة كنت ذكية، منظَمة، متقدِّمة على الفوضى بخطوة. ثم أعود بعد أيام لأجد أن الذكاء كان فخًا محكمًا وأن النظام استفزاز لا يُغتفر، وكأن الأشياء تعتبر الترتيب إعلان حرب فتختار الاختفاء دفاعًا عن كرامتها. الشيء المرتب يشعر بأنه خضع لسلطة قمعية فيقرِّر طلب اللجوء إلى زاوية مجهولة خلف الخزانة.
في منازلنا، كما في لبنان، لا نحتاج إلى قوانين مكتوبة كي نفهم أن كلّ ما يُخزّن بعناية يُحكم عليه بالنفي الموقت، بينما كل ما يُترك على أول سطح متاح يحتفظ بحق العودة في أي لحظة، غالبًا حين لا تعود هناك حاجة إليه أو بعد أن نكون قد اشترينا بديله بنجاح مؤلم. إنه دستور منزليّ غير معلن تُطبّقه الأشياء بصرامة أشدّ من أي مؤسسة رسمية عرفناها.
اختفاء الجوارب
لا أحد يفسِّر لي لماذا تدخل الجوارب إلى الغسالة زوجًا متحابًا وتخرج منها فردًا أرمل؟ كأن الحوض يعقد صفقات جانبية لا نعلم عنها شيئًا. نفتش في الثياب، نقلب الأكمام، نمدّ يدَينا إلى أعماق لا تُرى... لا شيء!. تختفي فردة وتبقى الأخرى شاهدة صامتة على جريمة منزلية متكرّرة، ثم بعد أشهر تظهر الضائعة في دُرج لا علاقة له بالغسيل، أحيانًا مع حرامات الشتاء أو بين أغطية الوسائد، كأنها كانت في إجازة قصيرة وعادت عندما قرّرت، ولا أستبعد أن تكون هناك مستعمَرة سريّة للجوارب الفردية تعيش حياة كريمة بعيدًا من قيود الأزواج المتشابهة.
النظارات لحظة الطوارئ
النظارات لا تختفي طول اليوم، بل تبقى في مكان ما نعرفه نصف معرفة. لكن ما إن يرن الهاتف برقم مهمّ أو نحتاج توقيعًا سريعًا أو رسالة عاجلة، حتى تتبخر!. نفتش الطاولة، الحقيبة، المطبخ، غرفة النوم، نشعر بأن الرؤية نفسها تتآمر علينا، ثم نكتشفها لاحقًا فوق رؤوسنا أو معلّقة في ياقة القميص. وفي تلك اللحظة لا نغضب، نستسلم لفكرة أن الأشياء تختبر صبرنا لا أكثر. كأن النظارات تؤمن بأن أفضل توقيت للتمرّد هو اللحظة التي نعلن فيها بثقة أننا سنكون جاهزين خلال دقيقة واحدة فقط.
"الريموت كونترول" كائن سياديّ
جهاز التحكّم عن بُعد لا يعيش في مكان ثابت، هو ينتقل وفق مزاجه. نضعه بعناية على الطاولة فيختفي تحت وسادة لا نتذكر أننا لمسناها. نبحث بين الأرائك وكأننا ننقب عن آثار قديمة، نقلب البيت رأسًا على عقب، ثم يظهر فجأة في مكان مكشوف جدًا لدرجة تثير الشك، على الطاولة نفسها لكن بزاوية مختلفة. كأنه يقول لنا: كنت هنا طول الوقت لكنكم لا تعرفون أصول البحث والنظر. إنه يتصرف كزعيم صغير يعرف أن الجميع سيقف احترامًا حالما يختفي لدقائق معدودة.
وثائق لا تُمس
أما الأوراق المهمّة فتعامَل معاملة كبار الشخصيات: ملفّ خاص، غلاف شفاف، دُرج مخصّص. ولهذا السبب تحديدًا تختفي عند أول امتحان حقيقي!. موعد سفارة، معاملة رسمية، نسخة مطلوبة فورًا... عندها يبدأ العرض الكبير: تتطاير الملفات، تتناثر الأوراق، يعلو التوتر. وفي اللحظة التي نطبع فيها مستندًا بديلًا وندفع الرسوم ونُقسم أنّ هذه آخر مرة نثق فيها بالتنظيم، تظهر الورقة الأصليّة بهدوء مريب، نظيفة، غير متأثرة بالعاصفة التي سبّبتها، وكأنها أرادت فقط أن تذكّرنا بأنها من يملك الكلمة الأخيرة في هذه المسرحية الإدارية الطويلة.
أشياء لا نحتاجها
على النقيض، ثمّة أشياء لا قيمة لها لكنها مخلصة بشكل مبالغ فيه: شاحن قديم لهاتف لم يعد موجودًا، مفتاح لباب لا نتذكره، إيصال من عام بعيد. هذه الأشياء لا تختفي، بل تتكرّر، تظهر في كل عمليّة ترتيب، في كل صندوق، في كل انتقال من بيت إلى بيت، كأنها تقول: نحن باقون مهما حاولتم معنا. كأنها طبقة أرستقراطية من الخردة، ترى في بقائها حقًا تاريخيًا لا يسقط بالتقادم.
وفي كل بيت دُرج لا يخضع لقانون. دُرج يحتوي كلّ ما لا ينتمي إلى مكان محدد: بطاريّات نصف حيّة، عملات معدنية، براغٍ مجهولة الموضع والتاريخ، أوراق صغيرة بلا معنى. والمفارقة أننا حين نبحث عن شيء مفقود لا نجده، لكننا نجد أشياء كنا قد نسيناها تمامًا. الدُرج لا يعدنا بشيء، لذلك لا يخذلنا. الفوضى فيه صادقة، لا تتظاهر بأنها نظام مدروس. إنه "المتحف الوطني" للأشياء التي لا نعرف لماذا نحتفظ بها لكننا نخشى رميها!.
الطقس المقدَّس
ثمّة قاعدة مجرَّبة: طالما أننا نبحث يبقى الغرض مختبئًا، لكن بمجرّد أن نيأس ونشتري بديلًا يظهر الأصل!. أحيانًا في الليلة نفسها، أو ونحن نفرغ أكياس المشتريات الجديدة. المصادفة متقنة إلى درجة تدفعنا للاعتقاد بأن للغرض حسًا دراميًا عاليًا، يريد لحظة دخول مسرحيّ لا أكثر ولا أقل. وكأننا لا نشتري بديلًا، بل ندفع فدية رمزية لإطلاق سراح النسخة الأولى.
حتى لو كنا متأكدّين من مكان الشيء، فهناك دائمًا يد عابرة قرّرت تحسين المشهد، نقلته قليلًا لأنه لم يكن في مكانه الصحيح، أعادته تقريبًا إلى مكانه لكن ليس تمامًا. وهنا يكمن الفرق بين العثور عليه وبين البدء في البحث من جديد. عبارة: "لم ألمسه"، تتردد كثيرًا لكنها لا تغيّر شيئًا في مسار الاختفاء. فالتحسين المنزليّ نشاط بريء في ظاهره، لكنه قادر على إعادة رسم خريطة البيت بالكامل من دون سابق إنذار.
ذاكرة عاطفية
نحن لا نتذكّر الأماكن الدقيقة، بل نتذكر الظروف: "وضعته هنا لأنني كنت مستعجِلة... تركته هناك لأن أحدهم ناداني". أما حين نقول: "وضعته على الرف الثالث في الملف الأزرق"، فإن الذاكرة لا تتفاعل، العقل يتشبث بالقصّة لا بالخانة. لذلك تنجح الفوضى المدروسة، أكثر مما ينجح النظام الصارم، لأنّ، كما يبدو، الذاكرة تضّل الدراما على الإحداثيات.
بلاغ أخير
ربما علينا أن نقبل أن الترتيب ليس قرارًا نهائيًا بل اقتراح، وأن الأشياء تتفاوض معنا بصمت، بعضها يوافق ويبقى، وبعضها يرفض ويختفي إلى أن نمرّ بامتحان صغير من القلق والإنفاق وإعادة الشراء، ثم يعود ليذكِّرنا أن السيطرة وهْم جميل، وأن كلّ ما نحاول إحكامه يفلت، وكلّ ما نتركه بلا اهتمام يجد طريقه إلينا في النهاية، لكن ليس في الوقت الذي نريده بل في الوقت الذي يريده هو. وهذا، على ما يبدو، جزء من المنهج اليومي الذي نتعلّمه من دون أن نعترف بذلك. لكن في النهاية، نتصالح مع الفكرة بأن الأشياء لا تضيع فعلًا، بل تدخل في إجازة قصيرة ريثما ننهار عصبيًا ثم تعود وكأن شيئًا لم يكن.