يقف نظام الملالي أمام "فرصة أخيرة" هذا الخميس في جنيف، حيث ستعقد جولة مفاوضات ثالثة بين واشنطن وطهران، لتقديم "مسوّدة مقترح" ترضى بها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وإلّا فإنه سيواجه عملية عسكرية أميركية - إسرائيلية واسعة قد تهدف إلى إسقاطه. وإضافة إلى العوامل الخارجية الضاغطة على طهران، كان لافتًا خلال اليومين الماضيين، إقدام طلّاب الجامعات الإيرانية على إعادة إشعال نار الثورة التي قُمعت بالمجازر الشهر الماضي، لكنها لم تمت. ورغم أجواء الترهيب وبطش أنصار النظام والباسيج، نظم طلّاب المعارضة تجمّعات حاشدة وجريئة في جامعات إيرانية عدّة، وحصلت مواجهات عنيفة، قاوم خلالها الثوار إرهاب الباسيج ومنعوهم في أماكن مختلفة من فض تحرّكاتهم بوسائلهم القذرة المعتادة.
وأظهرت مقاطع فيديو نشرت على مواقع معارضة وحقوقية، اندلاع احتجاجات في جامعات في طهران ومشهد وغيرهما، وردّد المتظاهرون هتافات تدعو إلى إسقاط النظام وتندّد بالمرشد الأعلى علي خامنئي باعتباره "ديكتاتورًا قاتلًا"، ودعت هتافات أخرى إلى تولية ولي العهد الإيراني السابق المنفي رضا بهلوي، ملكًا جديدًا. وكانت معبّرة للغاية بعض الشعارات السياسية التي أطلقت، منها "لن تصبح إيران وطنًا ما لم يُكفَّن الملالي"، و "الموت للولاية المجرمة"، و "النظام يهتف باسم الحسين ويتفاخر بالقتل". ولوّح بعض الطلّاب بعلم إيران في الحقبة الملكية، والذي يحمل في وسطه شعار الأسد والشمس. هذه التطوّرات تثبت أن الثورة ضدّ الملالي لم تُجهض، إنما كانت تلتقط أنفاسها بعد مقتل عشرات آلاف المحتجّين بأيدي رجال النظام، فضلًا عن حملة اعتقالات واسعة النطاق.
وسط الغليان الداخلي الذي يهدّد وجود النظام، يحاول قادة طهران الهروب إلى الأمام مع الأميركيين بلا جدوى. وأوضح وزير خارجية سلطنة عُمان بدر البوسعيدي، الذي تتوسّط بلاده في المحادثات بين الجانبين، أن المفاوضات المقرّرة الخميس تأتي مع نية إيجابية للقيام بخطوة إضافية بهدف إنجاز اتفاق، فيما رأى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن أحدث جولات المفاوضات مع أميركا "أسفرت عن مؤشرات مشجعة"، لكنه أكد مواصلة "مراقبة التحرّكات الأميركية عن كثب"، واتخاذ كلّ "الاستعدادات اللازمة لأي سيناريو محتمل"، مع توالي وصول التعزيزات العسكرية الأميركية إلى المنطقة حال انهيار المفاوضات واتخاذ ترامب القرار بتوجيه ضربة لنظام آيات الله.
وأبدى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خلال مقابلة مع شبكة "سي بي أس" الأميركية، اعتقاده أنه ما زالت لدينا فرصة جيّدة للتوصّل إلى حل دبلوماسي يعود بالفائدة على الجميع، مشيرًا إلى العمل على إعداد "عناصر اتفاق ومسوّدة نصّ" بعد جولتي التفاوض. ورأى أنه "يمكننا العمل على هذه العناصر وإعداد نصّ جيّد وبلوغ اتفاق سريعًا" الخميس. بيد أنه شدّد على حق إيران في الدفاع عن نفسها، ملوّحًا بضرب القواعد الأميركية. وبحث عراقجي خلال اتصال هاتفي مع البوسعيدي، الترتيبات الخاصة بعقد الجولة المقبلة من المفاوضات النووية. وكشف مسؤول إيراني كبير لوكالة "رويترز" أن الجانبَين الأميركي والإيراني لا يزالان على خلاف حاد، حتى حول نطاق تخفيف العقوبات الأميركية المشدّدة وتسلسل تخفيفها، متحدّثًا عن أن إيران تدرس جدّيًا إرسال نصف مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب إلى الخارج وتخفيف تركيز النصف الآخر وإنشاء تحالف إقليمي للتخصيب.
وأوضح المسؤول الإيراني أن بلاده ستفعل هذا مقابل اعتراف أميركا بحق إيران في "التخصيب النووي السلمي" بموجب اتفاق سيشمل أيضًا رفع العقوبات الاقتصادية، مشيرًا إلى أن طهران تعرض كذلك على الشركات الأميركية المشاركة بصفة متعاقدين في قطاعَي النفط والغاز الإيرانيَين الكبيرين. لكنه حسم أن إيران لن تتخلّى عن السيطرة على مواردها النفطية والمعدنية. ورأى أن "إمكان التوصل إلى اتفاق موَقت قائم"، الأمر الذي يتقاطع مع تصريح لمسؤول أميركي رفيع لموقع "أكسيوس" أن إدارة ترامب وإيران قد تناقشان إمكانية التوصّل إلى اتفاق موَقت قبل الاتفاق على اتفاق نووي كامل. وفي وقت يريد ترامب "صفر تخصيب" لليورانيوم على الأراضي الإيرانية، تدرس واشنطن، وفق "أكسيوس"، إمكان السماح لطهران بـ "تخصيب رمزي ومحدود" لا يمكّنها من تطوير سلاح نووي.
وكانت معبّرة تصريحات المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال مقابلة السبت، إذ قال: "لا أريد أن أستخدم كلمة "محبط" لوصفه (ترامب)، لأنه يدرك أن أمامه الكثير من البدائل، لكنه يتساءل عن سبب أنهم لم... لا أريد أن أستخدم كلمة "يستسلموا"، لكن لماذا لم يستسلموا؟". وأضاف: "لماذا، في ظلّ هذه الضغوط، ومع وجود كلّ هذه القوة البحرية الهائلة هناك... لماذا لم يأتوا إلينا ويقولوا "نعلن أننا لا نريد سلاحًا، لذا إليكم ما نحن مستعدّون لفعله؟"... ومع ذلك، من الصعب نوعًا ما أن ندفعهم إلى تلك المرحلة". كما كشف ويتكوف أنه التقى بأوامر من ترامب مع بهلوي.
في الغضون، شكّلت مجموعات كردية إيرانية متمركزة في العراق تحالفًا سياسيًا يهدف إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتحقيق حق الكرد في تقرير مصيرهم، في وقت أوكل فيه خامنئي إلى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، مهمة ضمان بقاء الجمهورية الإسلامية في مواجهة أي هجمات عسكرية وعمليات اغتيال مستهدفة، وفق تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" كشف توسّع مهام لاريجاني تدريجيًا خلال الأشهر القليلة الماضية. وتحدّثت الصحيفة عن أن خامنئي أصدر سلسلة من التوجيهات، فقد سمّى أربع طبقات من الخلافة لكلّ من مناصب القيادة العسكرية والحكومية التي يعيّنها شخصيًا. كما طلب من جميع من يتولّون أدوارًا قيادية، تسمية ما يصل إلى أربعة بدلاء، وفوّض دائرة ضيّقة من المقرّبين باتخاذ القرارات في حال انقطاع التواصل معه أو مقتله.
وتعمل طهران على أساس أن الضربات العسكرية الأميركية حتمية وقريبة، ووضعت كلّ قواتها المسلّحة في أعلى درجات التأهب وتستعدّ لمقاومة شرسة، وفق التقرير. وكشفت صحيفة "فاينانشال تايمز" أن إيران اتفقت مع روسيا في كانون الأوّل الماضي على صفقة أسلحة سرّية بقيمة 500 مليون يورو لشراء آلاف الصواريخ المتقدّمة المحمولة على الكتف، موضحة أنه من المقرّر أن يحصل التسليم على ثلاث دفعات في الفترة من 2027 إلى 2029.