ليست كسروان مجرد مساحة بين البحر والجبل، بل هوية متجذرة في الكرامة والتمرد. منذ قرون، صاغ أهلها دورهم بأنفسهم، رافضين الظلم والإقصاء، ومتمسكين بحقهم في تقرير مصيرهم.
في القرن التاسع عشر، شكلت "ثورة الفلاحين" بقيادة طانيوس شاهين لحظة مفصلية في هذا المسار. لم تكن انتفاضة مطلبية عابرة، بل تعبيراً مبكراً عن وعيٍ جمعيّ رفض منظومة اجتماعية مجحفة، وطالب بالعدالة وصون الكرامة. يومها، دخلت كسروان التاريخ بوصفها مساحة لا تساوم حين يتعلق الأمر بحقوق أهلها، وبسُلم قيم يبدأ بالحرية، ويتوّج بالكرامة، وتتوسطه حياة لائقة بالإنسان.
ومنذ تلك المحطة، ظلت كسروان حاضرة في المنعطفات الكبرى التي عرفها لبنان. قاومت الاحتلالات، وانخرطت في الدفاع عن فكرة الدولة ومؤسساتها، وارتبط اسمها بالحلم اللبناني القائم على السيادة والحرية والعيش الكريم. لم تكن هذه الخيارات شعارات موسمية، بل امتداداً لقيم ترسخت في وجدان أبنائها: الشجاعة، التضامن، والإيمان بأن التغيير فعل يبدأ من المجتمع نفسه.
غير أن هذا الإرث، على ثقله المعنوي، يضع أبناء كسروان اليوم أمام أسئلة مؤلمة. أين الجامعة اللبنانية التي توازي ما قدمته المنطقة من كفاءات ونخب؟ أين البنية التحتية التي تعكس وزنها الديموغرافي ودورها الوطني؟ يروي الأهالي حكاية قديمة متجددة: نبيع قطعة أرض، نقتصد من خبزنا وزيتوننا، ونعتمد على "مونة" بيوتنا، لنعلّم أبناءنا ونصنع منهم قيمة مضافة لوطن لم يمنح منطقتهم ما يليق بها. ويُستعاد في هذا السياق، الإنماء الذي لم تشهده كسروان منذ عهد فؤاد شهاب إلا خلال مرحلة كانت فيها كسروان جزءًا من المنطقة الحرة في عهد القوات اللبنانية.
تتضاعف حدة الأسئلة حين يُستحضر المسار السياسي الحديث. فقد مَنحت كسروان دعماً واسعاً للعماد ميشال عون، وأسهمت بفعالية في صعوده إلى رئاسة الجمهورية، على أمل أن يترجم هذا التأييد نهجاً إصلاحياً يعزز الدولة ومؤسساتها. إلا أن شريحة من أبناء المنطقة ترى اليوم أن ما تحقق لم يوازِ حجم التوقعات، وأن وعود الإصلاح لم تُفضِ إلى بناء مؤسساتي متين، بل إلى مزيد من الإحباط وفقدان الثقة.
في المقابل، لم يشكل النفوذ التقليدي أو الإقطاع السياسي بديلاً تنموياً مستداماً. فقد حافظت بعض العائلات على حضورها في السلطة، لكن نموذج التنمية الشاملة بقي غائباً: لا جامعة رسمية كبرى، ولا مستشفى جامعي حديث، ولا خطة بعيدة المدى تُعيد للمنطقة دورها الاقتصادي والاجتماعي الحيوي.
ضمن هذا المشهد، تبرز مواقف مرشح القوات اللبنانية في كسروان، المهندس غوستاف قرداحي، بوصفها تعبيراً عن هاجس الكرامة لدى شريحة من المجتمع الكسرواني. حين يتحدث عن تعب الأهالي في تربية أبنائهم وتعليمهم "باللحم الحيّ"، فهو يعيد النقاش إلى جوهره: قيمة الإنسان قبل الاصطفاف السياسي. فكسروان التي انتفضت يوماً على الإقطاع، يصعب أن تقبل اليوم بمنطق شراء الأصوات أو اختزال المواطنين في "تابعين لزعيم". هذا المنطق، في نظر كثيرين، ساهم في إضعاف الدولة وإبقاء المناطق أسيرة الخدمات بدل أن تكون شريكة في صناعة القرار.
ومع ذلك، لا تبدو كسروان منطقة استسلام. تاريخها يُظهر قدرة متكررة على تجديد ذاتها كلما توفرت الإرادة والثقة. الإرادة ليست شعاراً انتخابياً، بل شرطاً تأسيسياً لأي مشروع نهوض. وقد استشهد، في هذا السياق، بمثال تمويل استكمال طريق حريصا قبيل زيارة البابا إلى لبنان، للدلالة على أن القرار السياسي حين يتوافر، تتوافر معه الموارد. بين حريصا وصخرتها المطلة على البحر، يستعاد الرمز: البناء على الصخر لا على الرمال.
في المحصلة، تقف كسروان أمام مفترق يذكّر بمحطات سابقة من تاريخها: إما القبول بتكرار أنماط سياسية أرهقتها، أو استعادة روح المبادرة التي طبعت مسيرتها منذ أيام طانيوس شاهين. بين الذاكرة والطموح، يبقى الرهان على وعي مجتمع خبر معنى الكرامة، ويعرف أن الإرادة لا تُشترى، وأن الثقة لا تُستعار، وأن المستقبل يُبنى حين تتحول القيم إلى سياسات، والشعارات إلى مؤسسات.