في مدينةٍ اعتادت أن تقرأ تاريخها في حجارة المعابد، بدا هذا العام وكأن بعلبك تقرأ مستقبلها في الماء، عادت بركة البياضة في رأس العين لتنبض من جديد بعد عامٍ قاسٍ من الجفاف، فعادت معها الحركة إلى المكان، والطمأنينة إلى قلوب الناس، وكأن المياه التي ملأت البركة لم تُحييِ حجارتها فقط، بل أيقظت ذاكرة مدينةٍ بكاملها.
العام الماضي كان المشهد مختلفًا، انحسرت المياه حتى بدت البياضة كأنها صفحة يابسة من كتابٍ قديم، وتوقف جريان نهر رأس العين الذي طالما حمل الخير إلى البساتين. جلس الناس يومها على ضفافٍ صامتة، يتبادلون القلق أكثر مما يتبادلون القهوة، لم تكن المسألة جمالية فحسب، بل مسألة حياةٍ يوميةٍ مرتبطة بالماء، بالزراعة، وبالذاكرة الجماعية للمكان.
هذا العام، ومع كميات الأمطار الجيدة، تغيّر كل شيء، حيث امتلأت البركة من جديد، وعاد خرير الماء يتداخل مع الحجارة القديمة التي تشكّل قعرها وجوانبها. هناك، حيث تتعانق المياه العذبة مع الحجارة الرومانية التي صمدت قرونًا، يشعر الزائر أن الزمن دائرة: ما جف يعود، وما غاب يمكن أن يحضر مجددًا.
ليست البياضة مجرّد تجمّعٍ مائي، فهي جزء من منظومة رأس العين التاريخية في بعلبك، المنطقة التي شكّلت عبر العصور خزان الماء للمدينة وسهولها. منذ الحقبة الرومانية، حين ازدهرت بعلبك كإحدى أهم مدن الشرق، أوليَت المياه عنايةً خاصة، فشُيّدت القنوات والمنشآت لضبطها وتوجيهها، وبقيت الحجارة شاهدة، وبقي الماء روح المكان.
اليوم، استعادت البياضة دورها كمتنفسٍ لأهالي بعلبك، في الصباح تتوزع المقاعد البلاستيكية وأكواب القهوة على أطرافها، ويجلس كبار السن يتبادلون الأحاديث، فيما يمشي آخرون على مهلٍ بمحاذاة المياه. وفي المساء تزداد الحركة خصوصًا في شهر رمضان، حيث تتحوّل البركة بعد الإفطار إلى مقصدٍ لممارسة الرياضة والمشي، واستعادة شيءٍ من الصفاء بعد يوم صيام طويل. هناك أصبح المرور بالبياضة طقسًا شبه يومي، كأن المدينة تحتاج أن تطمئن كل يوم إلى أن الماء ما زال هنا.
لكن الفرح الأكبر كان في البساتين، فالمزارعون الذين يعتمدون على مياه نبع البياضة، ولهم حق الانتفاع منها، عانوا العام الماضي خسائر قاسية. جفت التربة قبل أوانها، وضعفت المواسم، وانخفض الإنتاج إلى حدودٍ مؤلمة. يروي أبو علي لـ "نداء الوطن" بحسرة : "هذا العام لم يتجاوز إنتاجي من شتول الدخان 300 كيلوغرام سلمتها منذ أيام بسبب الجفاف، بينما كان إنتاجي في السنوات السابقة يتجاوز الألف كيلو، فالأرض عطشت، ونحن معها عطشنا".
تغيّر هذا العام المشهد مع عودة المياه وجريان نهر رأس العين نحو البساتين، حيث تبدّل لون الحقول، وارتفعت المعنويات، ويقول المزارع أبو علي نفسه بنبرةٍ مختلفة: "الأمور تبشر بالخير، فالأرض ارتوت في وقتها، والشتول أقوى، وإذا استمر الوضع هكذا، سيكون الموسم واعدًا، وقد نعود إلى أرقامنا الطبيعية وربما أفضل". وبالنسبة إليه، "لم تكن عودة الماء تفصيلًا طبيعيًا، بل بداية استعادة توازنٍ اختلّ".
بين حجارة الرومان ومقاعد القهوة، بين خرير الماء وحقول الدخان والأشجار والخضار، تختصر البياضة حكاية بعلبك مع الطبيعة: قلقٌ حين يغيب المطر، واحتفالٌ حين يعود، هي أكثر من بركة ، هي مرآة المدينة، وحين تمتلئ، يمتلئ معها الأمل.