أحد أبرز وجوه المسرح اللبناني المعاصر. يحيى جابر، كاتب - مخرج. شاهده جمهور المسرح في غیر عمل، مثال: "شو منلبس" - "مجدّرة حمرا"...
"القرنة البيضا" عمله الحالي الذي يُعرض بالتوازي مع "مجدّرة حمرا"، يختزن في نصّه كثافة مكانيّة وبحثًا في هموم الهويّة. العنوان يُحيلنا إلى جغرافيا لبنانية شمالية مشحونة بالدلالات. "القرنة البيضا" مساحة تتقاطع فيها الرغبات الفرديّة مع سرديّات الجماعة. عمل يعتمد على بنية مونولوغية، إذ تتولّى شخصيّة محوريّة (الممثلة الرائعة ماريا الدويهي) حمل العبء الدرامي منفردة، انسجامًا مع رؤية جابر.
الشخصية: كائن مهزوم يروي حكايته، تتقاطع في خطابه عناصر السخرية والمرارة، الاعتزاز والانكسار. من الناحية السياسية لا يُقدّم النص خطابًا شعبويًّا، بل يعمد إلى تفكيك أبعاد الهوية، ومكانية "القرنة البيضا"، وتاريخها، وملكيّتها، ومن يَدّعي الحكي باسمها (المعنى المجازي). هنا يمارس جابر نقدًا سلسًا للخطاب الإقصائي - الخشبي!
جماليًّا، يتسم العرض بالتقشف البصريّ، متكلًا على النصّ والجسد لتأسيس الفضاء المسرحيّ، عبر أداءٍ مشحون تمثيلًا، بِطاقةٍ داخلية كثيفة تتأرجح بين الاعتراف والتهكّم. من استعادة الزمن ومجادلة الحاضر، ما يجعل الجمهور المتلقي شريكًا في العمل لا متلقيًا سلبيًّا.
مسرحية "القرنة البيضا" محاولة ناجحة لتحويل الجغرافيا الجامدة إلى دراما، والهوية إلى سؤال مفتوح. جابر يرفض اليقين ويشكّك في السرديّات المتوارَثة، ويمنح الشخصيّة حريّة قول عجزت عنه الخطابات الشعبويّة الخشبيّة... بهذا المعنى، لا يقف جابر على الخشبة بل على "قرنة بيضا"، يروي، يسخر بالتكافل والتضامن التواطؤيّ مع الجمهور.
ينتمي جابر إلى جيل أدرك أن المسرح السياسيّ المباشر الذي عرف ازدهارًا في الستينات والسبعينات، لم يعد قادرًا على مُساءلة الواقع. فلم تعد الطروحات السياسية هدفًا أساسيًّا، بل أسئلة وجودية - حياتية، تتمحور حول حياة الناس ومصائرهم. ويغدو الخاص مرآة للعام، والحكاية الشخصية بوّابة إلى نقد سياسي - اجتماعي.
الشخصيّة التي يتكئ عليها العرض، لا تقدِّم نفسها كبطل حرب أو كضحيّة. هي اللبنانيّ العاديّ الذي يعرف أكثر ممّا يصرّح ويقول أقلّ من الضروري. وماریا الدويهي منخرطة بدورها تمامًا، تؤدّيه وتحمله بلا مبالغة أو إثارة إعجاب، ودون شروحات، بل تسترسل بسجيّة مستحبّة بلا انفعال وبحركات مدروسة، لكنها تخدم فضيلة الصمت، حين يصبح الكلام في لحظة ما ضجيجًا مزعجًا!
قد يؤخذ على الأنا نرجسيّة ما، لكن هذه الأنا معبوءة بماضي الآخرين وبأصواتهم، وتتحوّل إلى ذات جماعية عبْر فرد. بمعنی أن الجسد الواحد ليس عزلًا لآخرين بل لاستحالة التعدّد...
إذا اعتبرنا أعمال يحيى جابر تنطلق من خلفيّة سياسيّة لمعالجة قضايا اجتماعية إنسانية، فقد شاهد الجمهور اللبناني خلال العقود الماضية مسرحًا سياسيًّا واضحَ الأهداف بالمباشر، وأحيانًا كثيرة بعرض شعارات وإشارات إلى الوقائع والأسماء.
هل تصحّ المقارنة بين مسرح يحيى جابر وزياد الرحباني؟ ربّما بالأهداف البعيدة مع فارق كبير بصياغة النص والأداء. فزياد اشتغل على الجماعة وعلى الكورال السياسي - الاجتماعي، حيث تتصارع على خشبته الشخصيّات في فضاء صاخب ساخر. أمّا يحيى جابر فاختار العزلة. مسرحه وقف على شخصيّة واحدة تسرد حكايتها بلا توقُف.
سخرية زياد: جماعيّة صداميّة، بينما سخرية جابر؛ حميميّة تنبع من داخل الممثل، وتترك للمُشاهد حريّة التأثر. زياد يفضح النظام السياسي - الاجتماعي بِحدّة اتهامية فاضحة، فيما يحيى جابر يكشف خلل النظام بلطف ساخر هادئ.
شاهد الجمهور اللبنانيّ عبر سنوات طويلة، وأيضًا خلال فترة الحرب وبعدها، عروضًا للمسرح السياسيّ تتفاوت فيها درجات القساوة الفاضحة: إخراجًا ونصوصًا وأداء.
عروض جلال خوري سياسية بامتياز: "جحا في القرى الأمامية" - "الرفيق سجعان". كما قدّم "محترف بیروت للمسرح": "مجدلون" - "كارت بلانش" للثنائي روجيه عساف ونضال الأشقر، وسواهما. ريمون جبارة الساخر، كتب وأخرج: "تحت رعاية زكور" - "زرادشت صار كلبًا"، "بيك نيك ع خطوط التماس"، وسواها. وبرز قبل الحرب اسم حسن علاء الدين (شوشو) على خشبة "المسرح الوطني اللبناني"، في الستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، في أعمال شعبية ناقدة للوضع السياسي والاجتماعي، بلغة ساخرة قريبة من الناس، بالتعاون مع نصوص نزار ميقاتي وفارس يواكيم ("آخ یا بلدنا" - "الحق ع الطليان"...)
أمّا الرحابنة ومن خلال المسرح الغنائي وعلى مدارج "قلعة بعلبك" وفي "قصر البيكاديللي"، فشاهدنا لهم: "بترا" - "جبال الصوّان" - "ناطورة المفاتيح" - "المحطة" - "أيام فخر الدين"... مسرح غنائي - راقص تراوح بين الاتكاء على محطات تاريخية لتمجيد شخصيات وطنية، وبين السخرية السياسية الهادفة والناعمة، من أوضاع البلد والحاكم.
يحيى جابر في عمله لا يجسّد زمن الحرب، بل زمنًا آخر ما بعد بعد الحرب. ولم يعد السؤال: ماذا حصل؟، بل: كيف صرنا - اليوم - نفهم ما حدث؟! هنا جوهر التفكير في معنی ورسالة العمل. والذاكرة لم تعد أرشيفًا جامدًا بل إعادة تشريح وتفسير للحدث. هو وضع الذاكرة في موقع السؤال. لا حنين ولا اتهام. هو نوع من تمرين مساءلة ذواتنا... مسرحية وكأنها استجواب للذاكرة اللبنانية أو كأننا نحتال على ذاكرتنا ونحن غرقى بسلبياتها. والنص عند جابر أقرب إلى تفكير بصوت عال. فهو كاتب يعرف أنه جزء من الإشكالية التي يكتبها، وهو ليس محايدًا بالطبع، بل متورّطًا دون ادّعاء موقع القاضي! وهنا المصداقية.
يحيى جابر في "القرنة البيضا" مع ماريا الدويهي، عمل رائع يستحق المشاهدة على "مسرح المونو" في الأشرفيّة.
من أعمال يحيى جابر: "قناص خيطان" - "شو منلبس" - "تعارفوا" - "مجدرة حمرا" - "بحيرة المصل " - "القرنة البيضا" - "للراشدين فقط" - "الزعران" - "كأنني امرأة مطلّقة" - "حبّ في الغسالة". |


