تطرح التحولات الإقليمية المتسارعة بروز ما يمكن تسميته بنظام المصلحة العربي الجديد القائم على البراغماتية الاقتصادية والتكامل الوظيفي، الأمر الذي يدفع إلى طرح سؤال أساسي ومحوري ولعلّه وجودي يرتبط بموقع لبنان ودوره في هذا النظام الناشئ.
ما هو نظام المصلحة العربي الجديد؟
إنه توصيف تحليلي يستخدمه باحثون وإعلاميون لوصف التحولات الجارية وليس كيانًا مؤسساتيًا جديدًا معلنًا. فهو وصف لمرحلة حديثة من العلاقات بين الدول العربية تقوم على البراغماتية وسياسة المصالح بدلا من الشعارات الأيديولوجية التقليدية مثل القومية العربية أو الإستقطاب الحاد.
ويشير مفهوم نظام المصلحة العربي إلى تحوّل في سياسات عدد من الدول العربية حيث أصبحت المصلحة الوطنية أولا مع تقليل الإعتماد على الخطاب الأيديولوجي والإنفتاح على تحالفات متغيرة مع التركيز على التنمية والإستثمار بدل الصراعات الطويلة الأمد والتركيز على السياسة، وهو ما تجلّى في مسارات المصالحة وإعادة التموضع الإقليمي وعودة بعض الدول إلى محيطها العربي، كسوريا مثلا، وبروز أدوار اقتصادية قيادية لدول مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر، وكذلك بدء انحسار النفوذ الإيراني القائم على أيديولوجية دينية مهيمنة.
في هذا السياق، باتت المصلحة المشتركة، وليس الإنقسام السياسي، هي المحدّد الأساسي للتحالفات، وهو ما يفتح المجال أمام الدول الصغيرة ذات القدرات النوعية للعب أدوار متخصصة ومؤثرة.
مقوّمات الدور اللبناني المطلوب
يشكل لبنان حالة فريدة في العالم العربي بسبب تركيبته السياسية والطائفية المتعددة وتاريخه الثقافي المنفتح ودوره كجسر بين الشرق والغرب. ويمتاز لبنان بموقعه الجغرافي على الساحل الشرقي للمتوسط إذ يقع عند تقاطع طرق بحرية وبرية حيوية ما يمنحه دورًا لوجستيًا مؤثرًا وإمكانية لاستعادة دوره كبوابة تجارية وخدماتية لإعادة إعمار المشرق العربي، شرط توفر البنية التحتية اللازمة والإستقرار السياسي المطلوب.
كما يمتلك لبنان طاقات بشرية كفوءة في مجالات القانون والطب والتعليم والإعلام والمصارف والتكنولوجيا. ويشكل الإنتشار اللبناني في أنحاء العالم، لا سيما في الخليج وأفريقيا شبكة علاقات اقتصادية واجتماعية يمكن توظيفها ضمن مشاريع تكاملية عربية أوسع.
ولطالما كان لبنان مركزًا للإعلام والنشر والفكر والحر في العالم العربي، ففي ظل نظام عربي جديد يقوم على الاقتصاد والقوة الناعمة، يمكن للبنان أن يستعيد موقعه كمنصة حوار، سيما وأن اللبنانيين ذات تجربة واسعة في عيش التعدد وابتكار الحلول للأزمات، على قاعدة أن للبنان رسالة هي نشر الحوار والإنفتاح وتقبّل الآخر المختلف. فهذا البلد هو نموذج فريد في التعددية الدينية والثقافية في المنطقة وصاحب خبرة في إدارة التنوّع وصناعة حوار حضاري.
ومن مقومات الدور أيضًا، التنوع الجغرافي الفريد الذي يتمتع به هذا البلد الصغير والمواقع الأثرية العالمية ما يمنحه مقومات سياحية طبيعية وثقافية ودينية وصحيّة فريدة، ناهيك عن الاقتصاد الرقمي والشركات الناشئة في ظل كلفة تشغيل منخفضة نسبيًا ما يشكل ميزة تنافسية إذا ما توفّر الاستقرار التنظيمي.
التاريخ لا يهمل المتردّدين
مما لا شك فيه أن ثمة معوقات وتحديات كبرى لا تزال تعيق اندماج لبنان الفاعل في نظام المصلحة العربي الجديد، من أبرزها الأزمة المالية والاقتصادية غير المسبوقة منذ العام 2019 وهشاشة مؤسسات الدولة وتعثر الإصلاح والتداخل، حتى اليوم، بين القرار الداخلي والتجاذبات الإقليمية وكذلك فقدان ثقة المجتمعين العربي والدولي بهذا البلد نتيجة غياب الاستقرار السياسي.
إن هذه التحديات ترهن دور لبنان المرتجى بقدرته على إعادة بناء دولته وتفعيل مؤسساته وتعزيز سيادته الوطنية.
إن دور لبنان في نظام المصلحة العربي هو خيار سياسي واستراتيجي، فإما أن يبقى أسير أزماته الداخلية أو يتجه نحو بلورة دور له ويعيد تعريف موقعه كدولة صغيرة ذات وظيفة إقليمية نوعية.
والتاريخ لا يمهل المترددين ولا يفتح صفحاته إلا لمن يملك الجرأة على الرؤية والفعل.
فتقدم الدول لا يقاس بطول الزمن بل بعمق الإرادة ولا يعرف بكثرة الشعارات بل بصدق الإنجاز.
وفي عالم عربي يتجه نحو الواقعية والتكامل الاقتصادي، يمكن للبنان، إذا ما أعاد بناء مؤسساته وأحسن إدارة تنوعه، أن يتحوّل من ساحة صراع إلى مساحة تلاق وإلى قيمة مضافة في معادلة المصالح العربية الجديدة.
إن التكنولوجيا تتسارع، والإقتصاد يتبدّل، والمعرفة تتضاعف؛ فمن لا يواكب التغيير يُستبعد ومن لا يبتكر يُستهلك. والمستقبل الوطني لا يوهب، بل يُنتزع بالعمل، وتكتبه الأمم التي تؤمن بذاتها وتراهن على إنسانها وتسير بثبات نحو غد أكثر عدالة وثباتًا وقوة.