الدكتور سايد حرقص

حركة أمل تقترح الضرائب… وتتظاهر ضدها

3 دقائق للقراءة

في مشهد لبناني مربك وغريب في آنٍ معاً، أقرّ مجلس الوزراء زيادات على البنزين ورفع ضريبة القيمة المضافة، بناءً على اقتراح قدّمه وزير المال ياسين جابر، المحسوب على حركة أمل، فيما أعلن المسؤول في الحركة ورئيس اتحادات ونقابات قطاع النقل البرّي، بسام طليس، الإضراب احتجاجاً على هذه الزيادات.

هذه الازدواجية تطرح أسئلة سياسية وأخلاقية في آنٍ واحد. كيف يمكن لجهة سياسية واحدة أن تكون في موقع القرار وموقع الاعتراض عليه في الوقت نفسه؟ وهل نحن أمام توزيع أدوار مدروس بين “حركة في السلطة” و“حركة في الشارع”، أم أمام ارتباك في إدارة القرار وتحمّل مسؤوليته؟

لا شكّ أن المالية العامة في لبنان تعاني من اختلالات عميقة منذ بداية تطبيق اتفاقية الطائف. العجز المزمن، وتآكل الإيرادات، وتضخّم النفقات، كلها عوامل تدفع أي وزير مال إلى البحث عن موارد إضافية. لكن السؤال ليس في مبدأ الضريبة بحدّ ذاته، بل في عدالتها وتوقيتها وسياقها.

رفع الضريبة على البنزين لزيادة تعويضات العسكريين المتقاعدين يطال مباشرة كلفة النقل وأسعار السلع، أي إنه يضغط على الطبقات المتوسطة والفقيرة. أما زيادة ضريبة القيمة المضافة فهي، بطبيعتها، ضريبة غير تصاعدية، تصيب المستهلك النهائي بغضّ النظر عن دخله. فهل سبقت هذه الإجراءات رؤية إصلاحية متكاملة تشمل مكافحة التهرّب الضريبي والجمركي، وضبط الهدر، وإصلاح الإدارة؟ أم أنها جاءت كحلّ سريع لإرضاء العسكريين المتقاعدين؟

إعلان الإضراب من قبل مسؤول نقابي بارز في الحركة نفسها التي ينتمي إليها الوزير الذي اقترح الضريبة يعكس أزمة أعمق من مجرد خلاف في وجهات النظر. فالعملُ النقابي يفترض استقلاليةً عن القرار السياسي، غير أنّه تحوّل منذ زمن، من الاتحاد العمالي العام إلى غالبية النقابات، إلى امتدادٍ للعمل السياسي؛ يوالِيه حيناً ويعارضه صورياً حيناً آخر، تبعاً لمقتضيات الصورة الشعبوية ومصالح السلطة السياسية الضيقة.

إن الجمع بين اتخاذ القرار والاحتجاج عليه قد يمنح مكسباً شعبوياً، لكنه يضعف الثقة بالعمل العام ويكرّس انطباعاً بأن السياسة في لبنان تقوم على إدارة العواطف وخداع الناس، لا على تحمّل المسؤوليات.

الأخطر في هذا المشهد ليس الضريبة بحدّ ذاتها، بل ترسيخ ثقافة “القرار بلا كلفة سياسية”. فحين تستطيع جهة أن تقرّ الزيادة من موقعها في الحكومة، ثم تتنصّل منها عبر الشارع، تصبح المساءلة فارغة من مضمونها.

لبنان اليوم بحاجة إلى وضوح: من يحكم يتحمّل قراره ويدافع عنه، ومن يعارض يقدّم بديلاً متكاملاً لا مجرد هجوم سطحي يحاكي عواطف الناس ويبيعهم أوهاماً. أما الجمع بين الموقعين فيؤدي إلى تمييع المسؤولية وتعميق أزمة الثقة بين المواطن والدولة.

في النهاية، عندما تتحوّل الدولة إلى ساحة لتبادل الأدوار بين “صانع القرار” و“قائد الاحتجاج” ضمن البيت السياسي الواحد، بهدف التلاعب بمشاعر الناس وتسخيف المصالح العامة، تصبح السياسة مجرد “لعبة شعوذة”. وعندها، لا يعود السؤال عن شرعية الضريبة فحسب، بل عن جدوى ومعنى الحكم ذاته.