قد لا يكون الرجل السيئ في هذه القصة مرئياً، لكنّ الخوف الذي ينشره واضح جداً في فيلم الرعب والخيال العلمي The Invisible Man (الرجل الخفي) للمخرج لي وانيل. ينجح العمل في تحويل صدمة امرأة صامتة من علاقة سامة إلى رابط ملموس بدرجة مفرطة. يبرع المخرج في تجسيد ألم بطلة القصة "سيسيليا كاس" (إليزابيث موس) في جميع المراحل، ويسلّط الضوء على جراحها الداخلية بأسلوب مؤلم أحياناً.
لن تكون هذه المهمة سهلة لأن وانيل مضطر للتعامل بحذر مع هذا النوع من الأعمال المبنية على خلفية محدودة، إذ تشتق القصة في الأصل من الفيلم الكلاسيكي الذي حمل العنوان نفسه وأخرجه جيمس ويل في العام 1933 وكان مقتبساً من رواية هيربرت جورج ويلز من العام 1897. إنه الدرس الذي تؤكد عليه معظم النسخ السينمائية المتجددة في السنوات الأخرى. لكن يجب أن يتعامل المخرج بحذر مع هذه القصص أيضاً لأننا نعيش اليوم في عصر الحركات التي تكافح التحرش وتسمح بالكشف عن وحوش من العالم الحقيقي. حللت أفلام أخرى قوة ترهيب تلك الشخصيات السامة وتأثيرها على الضحايا، لا سيما فيلم The Assistant (المساعِدة) للمخرجة كيتي غرين.
لن نبالغ إذا قلنا إن المسائل التي أعطتها غرين الأولوية في مشروعها اللامع هي التي تمنح فيلم وانيل قوته. يصبّ التركيز بكل وضوح على الوحدة التي ينتجها العنف العاطفي لدى من يتعرضون لسوء المعاملة. تُستعمَل معايير ثابتة في أسلوب المونتاج، ويعرض مدير التصوير ستيفان دوسيو مشاهد مرعبة عبر تحريك الكاميرا بطريقة منمّقة وذكية في غرف النوم، والأقبية، والمطاعم، والقصور المعزولة. ستكون عزلة "سيسيليا" محور التركيز إذاً.
من الناحية الإيجابية، لن يتركنا وانيل في حيرة من أمرنا حين يعرض أحداث القصة المشوقة. يسهل أن نصدّق كلام "سيسيليا" على مر الفيلم، مع أن الشخصيات الأخرى ترفض تصديقها وتُشكّك بحالتها النفسية، وهو أمر مبرر على الأرجح. قد تكون الحبكة المرتبطة بالمرأة المجنونة التي يتجاهلها الجميع مألوفة منذ وقتٍ طويل، لكن يجيد وانيل التعامل معها بطريقة مبتكرة ويوصل هذه الفكرة إلى نهاية عميقة ومختلفة. ستحصل "سيسيليا" على دعم الجمهور على الأقل منذ بداية القصة، حين تستيقظ إلى جانب عدوها النائم من دون أن تبدو عليها ملامح الضعف. يمكن رصد مظاهر القوة والهشاشة معاً في شخصيتها، بما يشبه روحية شخصية "سارة كونور" في سلسلة The Terminator (المدمّر)، حين تعبر الغابة بكل قوة هرباً من شريكها المتوحش "أدريان" (أوليفر جاكسون كوهين)، ثم تأخذها شقيقتها "أليس" (هارييت داير) بعد عدد من الانتكاسات التي تخطف الأنفاس. هي تلجأ لاحقاً إلى صديق طفولتها "جيمس" (ألديس هودج): إنه شرطي حذق يعيش مع ابنته المراهِقة "سيدني" (ستورم ريد) التي تحلم بالذهاب إلى الجامعة لدراسة التصميم الداخلي لكن تعجز عائلتها عن تحمّل كلفة تعليمها.
تنجح "سيسيليا"، التي تكون مصابة برهاب الخلاء في البداية، في استرجاع حريتها أخيراً حين ينتحر العالِم الثري "أدريان" ويترك لها ثروة كبيرة لدعم مستقبلها وتحمّل تكاليف تعليم "سيدني" الجامعي. لكن لا يمكن أن يكون الوضع مثالياً لهذه الدرجة، على عكس ما يدّعيه شقيق "أدريان"، "توم" (مايكل دورمان الذي يقدّم شخصيته بطريقة لامعة)، علماً أنه من يتولى إدارة عقارات شقيقه الراحل وإرثه. سرعان ما تحل "سيسيليا" الأحجية وتكتشف أن "أدريان" اخترع درع خفاء وقد يستعمله لتنفيذ خطة معقدة للتلاعب بالآخرين نفسياً والانتقام منهم بطريقة سادية، لكنها تعجز عن إثبات هذه الحقيقة لأحد. تتعدد مشاهد السكاكين العائمة والوسائد المبعثرة وآثار الأقدام المخيفة... حتى أننا قد نصرخ في بعض المشاهد تلقائياً!
تبرع الممثلة إليزابيث موس في تقديم هذا النوع من المشاهد المريبة وتترك بصمتها الخاصة فيها، فهي تُعتبر ملكة الأدوار السينمائية المضطربة نفسياً في الحقبة المعاصرة. يكفي أن نتذكر أداءها في أعمال مثلHer Smell (رائحتها)، و The Handmaid’s Tale(حكاية الخادمة)، وUs (نحن)، وShirley. في دور "سيسيليا" التي تحارب بكل ذكاء كياناً خفياً يدمّر حياتها ويسيطر على صحتها النفسية، تتابع موس تقديم كل ما يريد المشاهدون رؤيته في الشخصيات النسائية: إنها شخصية معقدة وفوضوية لكن قوية، وهي صفة تفتقر إليها البطلات الخارقات التي نشاهدها حتى اليوم. بفضل سيناريو وانيل وإخراجه، تستطيع موس أن تجسّد تلك الجوانب المعقدة والمتنوعة، تزامناً مع تقديم شخصية قوية ومعاصرة بدور آخر امرأة ناجية تواجه المجرم بكل شجاعة في نهاية القصة.