أنطونيو فرحات

الحكي للخورية غير الحكي للرعية

3 دقائق للقراءة

يتبدّى من الأجواء السائدة في البلد أن "الضحك على الذقون" ماشي. فساسته محترفون فن الكذب والتدجين، والشعب يساق كخروفٍ إلى الذبح وهو منتشٍ غير عالمٍ بما يحاك له في الغرفة المظلمة.

للأسف، هذا واقع الحال، فالحكومة التي استبشرنا خيرًا بولادتها انهالت على اللبنانيين بوعود فارغة. فمن مصيبة الفجوة المالية إلى القرارات العشوائية بزيادة تعرفة تنكة البنزين إلى زيادة 1 % على ضريبة القيمة المضافة، كلها قرارات لا ترمم ما تَصَدّع ولا تُنَظف تَرَسُّبات السياسيات السابقة بل إنها تُعمّقها وتُكرّسها وتعتمدها كنهج حقيقي في الحكم كأن لا بديل عما تقدم ذكره.

يتجلى مما سبق أن الحكومة تسعى إلى شراء الوقت وإدارة الأزمة بدل حلّها، فتعمدت للغاية رفع الضرائب والرسوم على الرغم عن عدم قانونيتها وتجاوزها حد السلطة سيما أن القرارات المتخذة تخرج عن نطاق قانون التفويض التشريعي المعطى في قانون الموازنة كما أنها تخالف مبدأ شرعية الضريبة التي لا يجوز إلغاؤها أو تعديلها إلا بقانون كما مخالفتها مبدأ سنوية ووحدة وشمولية الموازنة.

وعليه استباحت حكومة الإصلاح جيوب اللبنانيين، فهي وعدتهم "بزودات" وربطتها بصدور قوانين دون أن تعطيهم شيئًا في الحقيقة.

أبعد من ذلك، وفي حال صدور تلك القوانين لن تفرق شيئًا بين حالة التضخم وغلاء المعيشة وبين فرق الرشوة الموعودة لإسكات موظفي قطاع العام، سيما أن تلك الزيادات مغلفة بالشكل بأنها زيادة على الرواتب دون أن تكون من صلب الراتب الأساسي وما يعنيه هذا الموضوع من الناحية القانونية ومن ناحية تعويضات نهاية الخدمة. وبذلك تكون الحكومة قد وقعت في فخ ماضٍ آثرت على المنابر بمحاربته لتقع اليوم فريسة ضعف إيجاد الحلول المستدامة والبديلة عما خلصت إليه، لتبصم بفعلتها هذه وصمة عارٍ وخيبة أمل ممن شعر اللبنانيون أنهم خشبة الخلاص وبداية التغيير لبناء وطن يقوم على المؤسسات ويُحكم بالعدل ويطبق القوانين المرعية الإجراء.

أكثر استفاضة، هل يعقل أنه لدى كل استحقاق يقف اللبنانيون حائرون بأمرهم في إمكانية إجرائه بموعده من عدمه؟ هل يجوز أن يكون انتخاب مجلس النواب مجرد وجهة نظر وتقاطع مصالح بين ساسة هذا البلد؟ هل يجوز أن تكون الديمقراطية معلّقة على أهواء ورغبات البعض لتمارس بالشكل وتنحرُ في المضمون؟

يغدو بما لا يقبل الشك أن ما يحكى للخورية غير الذي يحكى للرعية. فسياسيو لبنان يُنَظّرون علنًا بما لا يتمنون ويصعّدون بمواقفهم بما لا يرغبون حدوثه ويعقدون صفقات في ما بينهم في أقبية بيوتهم غير تلك التي يسرّبونها، فعلًا إنهم أغرب مخلوقات هذه الأرض التي عاثوا فيها فسادًا وزرعوا فيها حقدًا وظلمًا وخوفًا من الآخر.

إنه من الثابت والأكيد أن الواقعية السياسية بمكان والقانون والدستور بمكان آخر، إنهما كخطين متوازيين لا يلتقيان أبدًا. غير أن تلك الواقعية ستبقى نقيض فكر المؤسسات والسبب في انحلال الدولة والتركة الثقيلة التي سنتركها للأجيال القادمة. لأن ساستنا لا يأبهون إلا لمصالحهم وهم بذلك يكرّسون سوابق سيبنى عليها خطأ في المستقبل لكن بميزان قوة وقوى مختلفين.

بناءً على ما تقدم، إسمعوا أقوالهم وصدقوا نقيضها لأنهم لا يبوحون بما يضمرون.