د. أنطوان مسرّه

ضوابط التملّك العقاري في مجتمع تعددي ولبنان

7 دقائق للقراءة
استملاك الأراضي في لبنان على نمط الصهيونية في فلسطين

تتطلب قضية بيع الأراضي في لبنان أو استملاكها بالاحتيال أو بقوة السلاح على نمط الصهيونية في فلسطين، مقاربة لبنانية دستورية ومراجعة تشريعية وقضائية. إن التلاعب بالملكية، من منظور مقارن، في مجتمع تعددي يجب أن يخضع لضوابط حرصًا على حقوق الأفراد وأيضًا على التراث والهوية الوطنية. يطرح الموضوع بعمق د. دريد بشراوي بعنوان: "مخطط وضع اليد على أملاك المسيحيين" (نداء الوطن، 25/2/2026).

بعد معاناة طويلة خلال الحروب المتعددة الجنسيات في لبنان في السنوات 1975 - 1990، واستحالة التقسيم أو الفرز السكاني أو الفدرلة الجغرافية بواسطة تخمة المعابر والمتاريس في كل لبنان، ورد في مقدمة الدستور اللبناني: "هـ. أرض لبنان أرض واحدة لكل اللبنانيين. فلكل لبناني الحق في الإقامة على أي جزء منها، والتمتع به في ظل سيادة القانون، فلا فرز للشعب على أساس أي انتماء كان، ولا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين".

لكن "ميثاق العيش المشترك" (المقدمة ي) له أيضًا موجباته في حال استغلال السكن والإقامة والتملّك من قبل قوة سياسية، وليس مجرد مواطنين، نقيضًا لحق الأفراد في لبنان في التنقل والسكن والتمتع والإقامة. الحاجة أن يتعظ اللبنانيون من الاختبار المأسوي في فلسطين في الاستيلاء على الأرض، ليس للتنقل والإقامة والسكن، بل للاستعمار والهيمنة والتهجير السكاني بفعل الواقع الاقتصادي والمنافسة العقارية.

إن الضوابط التي يفرضها القانون اللبناني رقم 11.614 تاريخ 4/1/1969 والمعدّل سنة 1973 حول تملك الأجانب، هي جزء من الحرص على السيادة والميثاق في تعددية النسيج الديموغرافي، شرط التقيّد بدقة بموجبات القانون والمتابعة المستمرة لشروطه. سبق للوزير والنائب سابقًا بطرس حرب، ولم يفهم مسعاه اطلاقًا، أن اقترح قانونًا في سبيل ضبط الشراء والبيع بين اللبنانيين لأهداف تتخطى حقوق السكن والتنقل والإقامة والتمتع والتي هي متوفرة بشكل طبيعي واضطربت في التهجير في السنوات 1975-1990.

ما ورد حول "عقار ساسين... وهاجس تغيير ديموغرافي في الأشرفية مشّ للبيع" في الاجتماع الذي عقده ستة نواب من أصل ثمانية عن دائرة بيروت الأولى (مجد بو مجاهد، النهار، 24/12/2022)، يحمل على مقاربة الموضوع من منطلق دستوري ومقارن في سبيل حماية النسيج الديموغرافي من الاستغلال لأهداف سلطوية.

رصدت "حركة الأرض" في لبنان إجراءات متراكمة في التملّك لصالح جهة مذهبية بخاصة على طريق الشام (النهار، 13/1/2022). وحذر رئيس بلدية الحدت مرارًا من كثافة تملّك لأهداف سياسية وليس مجرد عقارية (غسان حجار، النهار، 25/6/2019). وسبق لشكري برتو خوري أن حذر تكرارًا من مخاطر التملّك لأهداف سلطوية: Ne gaspillez pas la terre du Liban, 1964.

1. الاجتهادات الدستورية: نظرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في شؤون تتعلق بحق التملك، بخاصة في المراجعة رقم 9063/80 تاريخ 24/11/1986 Guillow c. Royaume – Uni حيث طرح المستدعي مسألة الإدارة الذاتية لـ Guernesey في سبيل الحفاظ على المُلكية العقارية في الجزيرة لصالح السكّان الأصليين habitants indigènes. أقرت المحكمة الأوروبية مشروعية التدبير بدون الإقرار بتطبيق صارم له في الحالة المعروضة حيث الإدارة المحلية لم تتسلّم العقار الذي تملّكه صاحبه الذي كان رئيسًا لمصلحة حدائق الجزيرة.

يُفسّر Pierre Kovacs إمكانية فرض حدود في التملّك العقاري في المجتمعات المتعددة البنية، بخاصة في هولندا والدنمارك وفنلندا، حفاظًا على نسيجها الاجتماعي. هذا ما طُرح مرارًا في الحالة اللبنانية بدون الارتكاز على مرجعية أو معايير. يقول Pierre Kovacs:

"تعتمد عدة جزر أوروبية ضوابط في التملّك العقاري: îles frisonnes des Pays-Bas, Féroés du Danemark, Allands de Finlande . سبب ذلك مرتبط بمواطنية محلية citoyenneté territoriale خشية قدوم كثيف إلى هذه الجزر يغيّر ملامحها الإتنية واللغوية أو مجرد المحلية. يحمل ذلك من هم أقل قدرة على الهجرة بسبب عدم توفر أماكن سكن بأسعار مناسبة. ولم تنحرف المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان عن هذا التوجه":

Pierre Kovacs, ap. Laszlo Trocsanyi et Laureline Congnard (dir.), Statut et protection des minorités, Bruxelles, Bruylant, 2009, 254 p., pp. 49-81, p. 57.

يطرح الموضوع بشدة في أفريقيا الجنوبية منذ إصلاحات 1994. يواجه توزيع الأراضي للسود الذين انتزعت منهم أراضيهم إرادة الاستفادة غير المشروعة مع مقاومة قيادات محلية. يخشى اليوم السكان البيض الهجرة. نشرت Le Monde تحقيقًا في أربع صفحات حيث يورد سكان من البيض: "نحن جماعة مهدّدة بالزوال". وجاء أيضًا التعليق التالي:

"قضية الأراضي محورية في تجديد التعاقد الوطني. كان نهب الأرض من المستعمرين البيض الخطيئة الأساسية في التمييز العنصري وهيمنة البيض. يتوجب اليوم التصحيح كي تستعيد الأمة روحيتها وارتباطها بماضيها وأجدادها وذكرياتها":Le Monde, 20-21/1/2019, pp. 14-17.

يتوجب التوسع في الدراسة المقارنة لحق التملّك في ما يتعلق بدول أخرى، كسويسرا مثلاً، حيث تُحدد ضوابط حفاظًا على النسيج الاجتماعي وتراثه.

2. التلاعب في مكان الإقامة: نورد أيضًا أهمية مكان الإقامة في الانتخابات النيابية في لبنان الذي قد يستغل للتلاعب بالجغرافيا الانتخابية. يؤثر التلاعب الجغرافي المذهبي gerrymandering communautaire من خلال معاملات تبديل مكان الإقامة على تمثيل الطوائف وعلى سياقات تخطي السياسة الزبائنية استنادًا إلى المادة 95 المعدلة من الدستور.

يفترض في الجغرافيا الانتخابية اللبنانية، التعامل بشأن تبديل مكان الإقامة، كمسألة أساسية، حدّدت تفاصيلها الإجرائية، المادة 40 من قانون الأحوال الشخصية، حيث يتوجب أن تعني الإقامة، السكن الفعلي في المكان المسجل على بطاقة الهوية، أو على الأقل توفر صلات تاريخية أو عائلية أو ملكية عقارية في هذا المكان، وليس مجرد علاقة اقتراعية تبعية لمرشح أو لائحة، فينتقل مقترعون إلى صندوق اقتراع في مكان لا علاقة لهم به سوى في التصويت.

إن تبديل مكان الإقامة الذي يهدف أساسًا، في حال تحقق شروطه القانونية، إلى اندماج المواطن في بيئته الحياتية، قد ينحرف عن الغاية إذا تحوّل إلى وسيلة في التلاعب في الجغرافيا الانتخابية وبنيتها السكانية والمذهبية، بخاصة في مجتمع حيث الطوائف متوازنة نسبيًا في أعدادها ومتوزعة في المناطق.

لا مبرر بالتالي لأي معاملة في تبديل مكان الإقامة، إلا إذا انتفت كل صلة عائلية أو مهنية أو عقارية أو ضريبية للمواطن في مكان إقامته الأصلي المسجل في دوائر الأحوال الشخصية منذ ولادته. يتوجب على الباحثين والعاملين في الشأن الانتخابي دراسة ظاهرة تبديل المكان في مدى توافر شروطه القانونية وحجمه وجغرافيته ومذهبيته.

المادة 40 من قانون قيد وثائق الأحوال الشخصية تاريخ 7/12/1951 تنص على شروط وإجراءات عديدة في بند "تبديل مكان الإقامة" مع التأكيد أنه "يحق للحكومة رد الطلب إذا تبيّن أن هناك ضرورات موجبة لذلك". من هذه الضرورات، التي يقتضي التعمّق بها، الحرص على تعددية النسيج الاجتماعي اللبناني ووحدته. تستلزم عبارة "ضرورات" مزيدًا من التوضيح والتركيز والضوابط والمتابعة والشفافية حرصًا على تعددية النسيج الاجتماعي اللبناني وتوزعه وتوازنه مناطقيًا (أنطوان مسرّه، المجلس الدستوري، الكتاب السنوي 2011، المجلد 5، ص 207-212).


عضو المجلس الدستوري، 2009-2019