ما يجري اليوم بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، هو اختبار استراتيجي عميق لطبيعة النظام الدولي، وليس مجرد تبادل للنيران، لأن الصراع هنا يدور مع نظام أيديولوجي مغلق اختار منذ أربعة عقود منطق العنف والتوسّع بديلًا عن منطق الدولة. الاستراتيجية الأميركية لا تهدف إلى احتلال إيران كما حدث في العراق عام 2003، عندما دخل الجيش الأميركي بدباباته وجنوده إلى بغداد وأطاح نظام صدام حسين خلال أسابيع، وإنما تعتمد اليوم على تفكيك المنظومة الحاكمة داخليًا، من خلال ضرب بنية القرار، الضغط العسكري الأمني المركّز، التفوق الاستخباراتي والسيبراني، وتنفيذ ضربات نوعية موجعة استهدفت قادة النظام العسكريين ووصلت إلى دوائر القيادة العليا، بما فيها اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، في إشارة واضحة إلى أن حتى أعلى مستويات الحصانة لم تعد صامدة أمام الاستهداف المباشر. هذه الخطوات لم تعد مجرد رسائل تحذير، بل مؤشرات على تغيير قواعد اللعبة، وتضع النظام الإيراني أمام معادلة جديدة: إما تعديل سلوكه وقراراته الداخلية، أو مواجهة تفكك تدريجي للمنظومة بأكملها.
النظام الإيراني عاجز عن مواجهة مباشرة، فيلجأ إلى حروب الوكالة، لأنه لا يحارب دفاعًا عن الأرض بل عن منظومة حكمه، وقد أثبتت هذه الضربات الموجعة أنها تغير المعادلة على الأرض، هي لم تعد رسائل تحذير، بل ضربات موجعة طالت مستويات قيادية حساسة، ما أزال أي وهم بحصانة لا يمكن كسرها. هذه الوقائع انعكست فورًا على أذرع إيران في المنطقة، وخصوصًا "حزب الله"، الذي وجد نفسه أمام معادلة أكثر تعقيدًا، انكشاف الغطاء، تضييق هامش الحركة، وارتفاع المخاطر الأمنية على كل تحرك خارج الحدود، ما يقلل قدرته على المناورة ويحوّل أي مغامرة إلى مخاطرة غير محسوبة.
على الصعيد الداخلي الإيراني، الضغوط المركّزة تتقاطع مع هشاشة متراكمة، اقتصاد منهك، مجتمع شاب ناقم، شرعية دينية متآكلة، وانقسامات صامتة داخل مؤسسات الدولة. في مثل هذه الظروف، أي تصعيد خارجي يُعدّ محفزًا للاحتجاجات، ليس لأن الخارج يوجّه الشارع، بل لأن الداخل بات يشعر بالعجز عن حماية نفسه وتراجع قدرة النظام على صيانة سلطته. السيناريو الأكثر احتمالًا يشمل موجات احتجاجات محلية متفرقة في المدن الكبرى مثل طهران وأصفهان ومشهد، مع امتصاص النظام لبعضها بالقمع الجزئي، بينما قد تتكثف الاحتجاجات في حال استمرار الضربات الموجعة للقيادات العليا، ما يخلق فرصة حقيقية لتغيير الحسابات الداخلية، ما قد يؤدي إلى إعادة ترتيب السلطة أو إعادة النظر في السياسات الإقليمية.
اقتصاديًا، هذه الحرب الذكية، لها تداعيات كبيرة على المنطقة برمتها، ارتفاع أسعار النفط والغاز بفعل التوترات، اضطرابات في طرق الإمداد البحري عبر مضيق هرمز، وقلق المستثمرين في دول الخليج والعالم، ما يضغط على اقتصادات تعتمد على الطاقة الإيرانية والخليجية في آن واحد.
لبنان تحديدًا يتأثر من هذا التوتر بصورة مزدوجة: أولًا بسبب تبعية جزء كبير من اقتصاده للتمويل الإقليمي، وثانيًا من خلال أذرع إيران التي تشكل تهديدًا مباشرًا لاستقرار الدولة، حيث أي تصعيد إقليمي يمكن أن يتحول بسرعة إلى أزمة أمنية داخلية تزيد من هشاشة المؤسسات وتضاعف كلفة المعيشة للمواطنين. وفي المقابل، إذا نجحت الضربات الأميركية في تقييد قدرة هذه الأذرع، فإن لبنان يحصل على هامش أوسع لإعادة بناء مؤسساته وفرض قواعد لعبة جديدة أكثر استقرارًا.
أما مستقبل المنطقة، فالتقدير العسكري واللوجستي، يشير إلى أن هذه المواجهة لن تتحول إلى حرب شاملة بالمعنى التقليدي، لكنها ستستمر كحرب ضغط متدرّج يهدف إلى تفكيك القدرة على التهديد وإعادة رسم الحسابات، مع إبقاء أي احتمالات للتغيير الداخلي في إيران مفتوحة. هذا المسار يفرض على المجتمع الدولي خيارًا واضحًا: التوقف عن إدارة الأزمة بشكل شكلي، وفهم أن استمرار النظام الإيراني على هذا النحو يعني استمرار تصدير الفوضى والإرهاب، وأن أي تساهل يُبقي المنطقة رهينة منظومة لا تفهم إلا لغة القوة. لبنان هنا يظهر كحالة اختبار حقيقية، الدولة الهشة، الاقتصاد المنهك، والمؤسسات المترهلة تجعل أي ردّ فعل غير محسوب مكلفًا للغاية، فيما يضع تقليص قدرة "حزب الله" على المناورة خيارًا استراتيجيًا ضروريًا لضمان عدم تفجير لبنان كساحة مواجهة مباشرة، وهو ما يتطلب وعيًا داخليًا ودوليًا في آن واحد.
الخلاصة أن ما نشهده اليوم، هو مرحلة كشف نهائية، حيث تُختبر قدرة العالم على التعامل مع نظام ثبت أنه لا يقدّر قيمة الحياة أو الدولة، وأن أي استقرار حقيقي في الشرق الأوسط لن يتحقق ما دام هذا النموذج قائمًا، لأن السلام لا يُبنى مع أنظمة تقدّس الموت، وتستبدل الدولة بالميليشيا، والإنسان بالمشروع، وأن الضغط الموجّه والممنهج اليوم، مع استهداف أعلى مستويات القيادة الإيرانية، يفتح الباب أمام تغيير داخلي حقيقي في إيران، من شأنه أن يعيد تشكيل المنطقة بما يخدم شعوبها وليس مشاريع أيديولوجية خارجية. إن إدراك هذا الواقع يضع على عاتق القوى الإقليمية والدولية مسؤولية حقيقية في دعم أي مسار داخلي إصلاحي أو احتجاجي شرعي، وتوجيهه بعيدًا من الفوضى العميقة، لأن أي تأخير في التعامل مع هذه الحقائق سيؤدي إلى تمديد أمد عدم الاستقرار، وزيادة التهديدات المباشرة للبنان والمنطقة بأكملها.