بعد كل غارة إسرائيلية على لبنان، يتكرّر المشهد ذاته: حملة إعلامية من جمهور حزب الله ومن الصحافيين الذين يدورون في فلكه، تسأل بلهجة استنكارية: أين الدولة؟
يبدو السؤال، للوهلة الأولى، سيادياً وطنياً بامتياز. لكنه يخفي في جوهره إشكالية عميقة: هل المطلوب من الدولة أن تتحوّل إلى درعٍ أمني يحمي تنظيماً مسلّحاً خارج بنيتها الشرعية؟
في العمق الثقافي والسياسي لحزب الله، الدولة ليست المرجعية العليا التي تحتكر قرار الحرب والسلم، بل إطارٌ رسمي يُستدعى عند الحاجة.
فعندما تستبيح إسرائيل الأراضي والأجواء اللبنانية بحجة وجود صواريخ أو مخازن تابعة للحزب، يُطرح السؤال عن غياب الدولة. لكن عندما قرر الحزب خوض ما سمّاه “حرب الإسناد”، وفتح أبواب الجحيم على لبنان وشعبه، لم يتذكّر وجود دولة ولا جيش ولا حكومة، ولا حتى شعب يُفترض أن يكون شريكاً في قرار مصيري كهذا.
هذه الازدواجية تكشف طبيعة العلاقة بين الحزب والدولة، حتى في لاوعي جمهوره، إضافةً إلى لاوعي جزءٍ كبيرٍ من حملة الجنسية اللبنانية: الدولة مطلوبة لتحمّل النتائج، لا لصنع القرار.
على مدى سنوات، رُوّج لخطاب ثابت مفاده أن الجيش اللبناني غير قادر على مواجهة إسرائيل، وبالتالي لا بدّ من سلاح “المقاومة” بوصفه الضامن الوحيد لـ“توازن الردع” مع العدو. وقد ترسّخ هذا الخطاب بشكل واضح في عهدي الرئيسين إميل لحود وميشال عون، حيث قُدّم الجيش على أنه ضعيف الإمكانات، محدود التسليح، وعاجز عن خوض مواجهة شاملة، فيما صُوّر سلاح حزب الله كضرورة وطنية.
السؤال المنطقي يبقى: من المسؤول عن إبقاء الجيش ضعيفاً بعد انتهاء الحرب الأهلية؟ وهل كان مستحيلاً بناء جيش قوي خلال عقود من الاستقرار النسبي؟ أم أن وجود سلاح خارج الشرعية، يحتكر قرار الحرب، كان عاملاً معيقاً لأي مشروع جدي لبناء مؤسسة عسكرية جامعة وقادرة؟
المعادلة التي رسّختها الطبقة السياسية المتحالفة مع الحزب تقوم على حلقة مغلقة: إسرائيل خطر وجودي… الجيش غير قادر… إذن سلاح حزب الله ضرورة وطنية. وبما أن السلاح موجود، لا حاجة لبناء جيش قادر على المواجهة الشاملة. وهكذا تبقى الدولة في موقع العجز الدائم، ويُعاد إنتاج الحاجة إلى السلاح ذاته. من هنا، السؤال الحقيقي ليس: أين الدولة؟ بل: هل يُراد للدولة أن تكون دولة فعلاً؟
في العمق الثقافي لهذا النهج، الدولة ليست سوى إطارٍ يوفّر الغطاء السياسي والدبلوماسي، ويخفّف كلفة المواجهة عن السلاح غير الشرعي. أما قيام دولة مكتملة السيادة، تحتكر قرار الحرب والسلم، فيقتضي إعادة تعريف العلاقة بين السلاح والمؤسسات، وبين الانتماء الوطني والانتماءات العابرة للحدود.
المعضلة أن مفهوم الدولة نفسه في لبنان كان ضعيفاً وملتبساً في الوعي العام، ما تسبب بحروب متقطعة منذ الاستقلال بدأت سنة 1958 وبلغت ذروتها سنة 1975. بعدها تعرّض لبنان لاهتزازات عميقة في بنيته السياسية والاجتماعية والوطنية، ما رسّخ ثقافة الانتماءات الفئوية والخارجية على حساب فكرة الدولة الجامعة.
وهكذا، لم يعد السؤال عن غياب الدولة سؤالاً تقنياً، بل سؤالاً وجودياً يتصل بهوية الكيان وطبيعة النظام السياسي:
فإمّا دولة تحتكر القرار السيادي،
وإمّا كيان يتقاسم السيادة مع قوى أمر واقع، ما يفتح الباب أمام فئةٍ واسعة للمطالبة بالفيدرالية كحلّ مستدام للخروج من دوامة السلاح والدولة التي باتت معضلة تستنزف الجميع وتدمّرهم بلا أفق ولا أمل، أشبه بأسطورة “سيزيف”.