في لحظة تاريخية تُسجّل في صفحات الشرق الأوسط، اغتيل المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي في 28 شباط 2026، لتُختتم حقبة استمرّت أكثر من ثلاثة عقود من السيطرة القمعية شبه المطلقة على مفاصل السياسة الإيرانية والإقليمية. لم يكن عهد خامنئي مجرّد فترة زمنية، بل تجربة حكم ديكتاتوري أعادت رسم إيران داخليًا وخارجيًا وفق مصالح نخبة ضيّقة، ووضعت بصمتها على الصراع الإقليمي والدولي، تاركة إرثًا من القمع، الفساد، والهيمنة على المجتمع، إلى جانب نفوذ مريب يمسّ حياة ملايين الإيرانيين بشكل يومي.
مع رحيله، تواجه إيران مفترق طرق تاريخيًا لم يشهده النظام من قبل: السلطة التي أرساها طوال 37 عامًا تنهار تدريجيًا، الاقتصاد ينهار بشكل كارثي، والشوارع تغلي احتجاجًا على عقود من القمع، القتل، والنهب المنظّم لمقدرات الشعب. هذه اللحظة ليست مجرّد وفاة قائد، بل اختبار شامل لقدرة الجمهورية الإسلامية على الصمود بعد عقود من الحكم الاستبدادي، حيث سيُكشف ما إذا كان النظام قادرًا على الاستمرار أم أن إرثه سيواجه الانهيار أمام غضب شعب طال انتظاره.
محطات في عهد خامنئي
بدأت الحقبة في 1989 مع وفاة مؤسس الجمهورية الإسلامية، الخميني، وتولي خامنئي منصب المرشد الأعلى، لتبدأ مرحلة ترسيخ السلطة وتوسيع النفوذ السياسي والأمني في التسعينات، مع تعزيز الأجهزة الأمنية وتعميق سيطرة المؤسسات الدينية على القرار السياسي.
بين 1997 و2005، شهدت إيران فترة رئاسة محمد خاتمي ومحاولات الإصلاح المقيّد، في مواجهة هيمنة المؤسسات الدينية والأمنية التي حافظت على قبضتها على المشهد السياسي. في 2002، ظهرت أولى بوادر التوتر الدولي مع كشف البرنامج النووي الإيراني، الذي سرعان ما تحوّل إلى محور الصراع مع الغرب خلال عهد محمود أحمدي نجاد (2005-2013)، والذي تميز بتصعيد نووي وتصادم مستمر مع الولايات المتحدة وأوروبا.
من 2011 حتى 2019، صعدت إيران إقليميًا مع الربيع العربي وصعود ما عرف بـ "محور المقاومة"، حيث دعمت طهران أنظمة وحركات مسلّحة في سوريا ولبنان والعراق واليمن وغزة، بما فيها "حزب الله"، الذي أصبح أداة نفوذ إيرانية في المنطقة. الاتفاق النووي في 2015 شكّل نقطة مفصلية حاولت إيران من خلالها تخفيف العزلة الدولية، إلّا أن الانسحاب الأميركي من الاتفاق في 2018 أعاد تصعيد التوترات وعزز عزلة طهران.
في 2020، وقع الحدث الأكثر صدمة داخليًا وخارجيًا: اغتيال قائد "فيلق القدس" قاسم سليماني، الذي زاد التوترات الإقليمية ورفع احتمالات المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة. تبع ذلك موجة احتجاجات واسعة في 2022 بعد وفاة مهسا أميني، كشفت غضبًا شعبيًا واسعًا من القمع وتدهور الحقوق المدنية، وأظهرت هشاشة النظام أمام غضب الشارع.
شهدت 2023 و2024 تصاعد الأزمات الإقليمية، بما في ذلك هجوم 7 أكتوبر وتراجع نفوذ "محور المقاومة"، وسقوط نظام الأسد في سوريا نهاية عام 2024، ما زاد الضغوط الداخلية والخارجية على إيران. وفي كانون الثاني 2026، شهدت البلاد انتفاضة واسعة سقط خلالها آلاف القتلى، ما مهّد الطريق لاغتيال خامنئي.
خبراء سياسيون ودبلوماسيون يشيرون إلى أن بقاء النظام الإيراني رغم كل الأزمات كان نتيجة شبكة معقدة من الأجهزة الأمنية، الأذرع العسكرية، والأعمال الاقتصادية غير الشفافة، التي جعلت النظام أكثر صلابة من مجرّد سلطة دينية استبدادية.
يعتبر الخبراء أن النظام الإيراني لم يبقَ بهذه القوة بفضل إنجازات وطنية أو شرعية شعبية، بل بفضل قمعه المنهجي واستغلاله للخوف، واحتكار المؤسسات الدينية والعسكرية والاقتصادية لمصلحة نخبة ضيّقة، مشيرين إلى أن هذا النظام هو كيان مستبدّ يعيق أي مسار للتغيير، ويواصل سحق حقوق الإيرانيين في الداخل، بينما ينشر الفوضى والحرب بالوكالة في الخارج.
اقتصاد في انهيار تدريجي
رغم امتلاك إيران احتياطيات نفطية وغازية ضخمة، ظل الاقتصاد يعاني من اختلالات عميقة، تفاقمت بسبب العقوبات الدولية والصراعات الإقليمية. في أواخر 2025، وصل سعر الدولار في السوق السوداء إلى أكثر من 1.4 مليون ريال، في حين بقي السعر الرسمي أقل بكثير، ما يعكس فقدان الثقة بالعملة المحلية وتدهور القدرة الشرائية.
هذا الانهيار في قيمة العملة أدّى إلى ارتفاع التضخم، ما ضرب القدرة الشرائية للأسر وجعل الاحتياجات الأساسية خارج متناول غالبية السكان. كما تواجه إيران بطالة مرتفعة بين الشباب، خصوصًا حملة الشهادات الجامعية. أبحاث البنك الدولي ومراكز أكاديمية أكدت أن المواجهة الطويلة مع الغرب أدّت إلى خسائر كبيرة في الناتج المحلي الحقيقي، وانخفاض حاد في الاستثمار الأجنبي، وصعوبات مستمرّة في التجارة الخارجية.
إيران بعد خامنئي
رحيل خامنئي ليس مجرّد نهاية قائد، بل فرصة مكشوفة لتقييم حجم الخراب الذي خلّفه النظام الإيراني على شعبه والمنطقة. العقود الماضية لم تشهد بناء مؤسّسات قوية أو حماية حقوق المواطنين، بل تحوّل الحكم إلى شبكة استبداد، سيطرة عسكرية، وفساد اقتصادي، امتدّت أذرعها إلى دول الجوار، حيث زرع النظام أدواته مثل "حزب الله" لنشر النفوذ بالقوة والتخويف على حساب شعوب المنطقة.
ما بعد خامنئي يطرح السؤال الأهم: هل سيواصل هذا النظام إرث القمع والاستغلال، أم ستنهار أخيرًا صورته القوية أمام الداخل والخارج؟ الشعب الإيراني، المثقل بالفقر والقمع والبطالة، لم يعد قادرًا على الصبر، والمجتمع الدولي يراقب الفوضى التي تزرعها طهران في المنطقة. استمرار الهيمنة نفسها يعني استمرار الإرهاب السياسي والاقتصادي.
إنه وقت الحساب والمساءلة. التغيير الحقيقي لن يأتي من مقتل المرشد أو انتقال رمزي للسلطة، بل من تفكيك شبكة الاستبداد وإغلاق أذرع الهيمنة الإقليمية، وإعادة الحقوق والحريات للشعوب المقهورة التي عانت طويلًا من نظام استخدم الدين والسلاح والمال لقمع الإنسانية. إن أي استمرار للوضع القائم يعني استمرار الإرهاب السياسي، والفقر، واستغلال الدول المجاورة لتحقيق أهداف طهران على حساب شعوب المنطقة.