القاضي أنطوان الناشف

أنواع المشاعات وطرق إدارتها وفقًا لمعيار الملكية

7 دقائق للقراءة

أصدر وزير المالية التعميم رقم 609/ص1 بتاريخ 25/2/2026 تضمن ما خلاصته:

1- الطلب من القضاة العقاريين والمساحين والمخاتير وأمناء السجل العقاري الامتناع عن قيد العقارات غير الممسوحة والمشاعات باسم البلديات مباشرة أو الأفراد في محاضر التحديد والتحرير، إذ يجب قيدها أولًا باسم الدولة على أن تُنقل لاحقًا باسم البلديات المعنية، ما لم تتوفر المستندات الثبوتية للتمليك والمنصوص عليها في القرار رقم 26/186 المتعلق بتحديد وتحرير الأملاك العقارية.

2- الطلب من المختارين التقيد بمهامهم التعريفية وعدم إصدار إفادات "علم وخبر" بالعقارات المتروكة المرفقة والمشاعات، لأن هذه العقارات لا يمكن اكتساب ملكيتها بالتقادم أو بالاستيلاء أو الإشغال وفق المواد 236 و256 من قانون الملكية العقارية، مشيرًا إلى أن التحقق من "وضع اليد بمرور الزمن" هو من صلاحية القاضي العقاري فقط.

3- شدد التعميم على أن أمناء السجل العقاري لا يجوز لهم نقل ملكية العقارات المتروكة المرفقة والمشاعات إلى ملك البلديات قبل إيداع ملف المعاملة لدى المديرية العامة للشؤون العقارية ليصدر القرار النهائي من قبل وزير المالية، باعتباره الوصي على أملاك الدولة وعقاراتها.

4- نتج عن هذا التعميم تفسيرات متناقضة مما أوجب توضيحه من قبل المديرية العامة للشؤون العقارية التي حددت بأن المقصود بعبارة "المشاعات" الواردة في التعميم رقم 609/ص1 بتاريخ 25/2/2026، هي الأراضي المهملة الواقعة خارج النطاق البلدي، والتي لا يجوز قيدها باسم أفراد أو بلديات إلا استنادًا إلى سند قانوني صريح ومشروع، حفاظًا على المصلحة العامة والملك العام، بعد ورود معلومات عن محاولات البعض الاستيلاء على مشاعات الدولة بصورة غير مشروعة.

طرح هذا التعميم مجموعة من الأسئلة بشأن النظام القانوني للمشاعات وطرق إدارتها بما يؤمن عدم حدوث أي تعديات عليها.

اولًا- لمحة تاريخية عن إنشاء المشاعات:

1- كانت الملكية في الأزمنة الغابرة تتناول المنازل والمنقولات فقط على أن تكون الأراضي وخاصة الزراعية منها ملكًا لمجموع الأهالي الذين يعملون فيها معًا ويتقاسمون غلالها في ما بينهم.

2- عندما بدأت الدولة العثمانية إحصاء أراضي متصرفية جبل لبنان القديم سنة 1864 بالدرهم والقيراط والحبة بنية فرض الضرائب على السكان، لجأ اللبنانيون إلى التصريح بأن هذه المساحات الواسعة هي ملك لعموم الأهالي تهرّبًا من دفع الضرائب.

3- مع صدور قانون الملكية العقارية سنة 1930 أبقت الدولة الفرنسية المنتدبة على تسمية الأراضي المتروكة المرفقة كنوع شرعي للعقارات، نقلًا عن قانون الأراضي العثماني سنة 1858، إلا أنه لم يوضع أي تنظيم لإدارتها واستثمارها خلافًا لنص المادة 5 من القانون المذكور فأصبحت خاضعة لقانون البلديات أو قانون اللجان المشاعية (حيث لا توجد بلديات) المرسوم 1576 تاريخ 5/4/1950 أو قانون الغابات تاريخ 7/1/ 1949.

ثانيًا- أنواع المشاعات وفقًا لمعيار الملكية:

1- مشاعات الدولة

أ- عرّفت المادة 1271 من مجلة الأحكام العدلية العثمانية الأراضي المتروكة بأنها الأراضي القريبة من العمران والتي تترك للأهالي مرعى وبيدرًا ومتحطبًا.

وقد استمدّ قانون الملكية العقاري اللبناني الصادر بالقرار رقم 3339 تاريخ 12/11/1930 هذه التسمية من قانون الأراضي العثماني فنص في مادته السابعة على النوع الأول منها على أن العقارات المتروكة المرفقة هي العقارات التي تخص الدولة ويكون عليها لإحدى الجماعات حق استعمال محددة ميزاته ومداه بالعادات المحلية وبالأنظمة الإدارية.

ب- نصت المادة 2 من القرار رقم 275 تاريخ 25/5/1926 (إدارة وبيع أملاك الدولة الخصوصية غير المنقولة) على:

تشتمل الأملاك الخصوصية غير المنقولة للدولة على:

ـ الأراضي المتروكة التي تدعى مرفقة (الأراضي الموضوعة تحت تصرف جماعات).

ج- إن هذا التحديد ينطبق على الأراضي الواقعة خارج النطاق البلدي للمدن والقرى التي كانت تابعة للولايات العثمانية السابقة: دمشق وطرابلس وصيدا وملكيتها تعود للدولة، يمارس عليها الأهالي حق الاستعمال الذي هو حق شخصي يختلف عن حق الارتفاق لكون الأخير تكليفًا مرتبًا على عقار لمصلحة عقار آخر ولا يعوّل على عدم تسجيل العقار باسم الدولة في السجل العقاري لنفي ملكية الدولة له، طالما أن حق البلدة أو الأهالي هو حق استعماله فقط.

2- المشاعات البلدية

أ- إن المشاعات الواقعة داخل النطاق البلدي من النوع الشرعي المتروك المرفق، تعتبر ملكًا خاصًا للبلدية أو اتحاد البلديات، ولسلطات البلدية أو الاتحاد أن تدير أو تلغي أو تعدل حق الاستعمال على بعض أقسام العقارات المذكورة.

ب- أن هذه المشاعات تديرها البلديات أو اتحاد البلديات، وفق قانون البلديات أو اللجان المشاعية حيث لا توجد بلديات (مادة 2 من القانون 1576 تاريخ 5/4/50).

3- مشاعات القرى والأهالي

أ- سميت كذلك لكون ملكيتها تعود لعموم أهالي قرية أو مشاع قرية أو مشاع مرعى لعموم مواشي القرية. وهي من النوع الشرعي الملك واقعة ضمن حدود متصرفية جبل لبنان القديم وخاضعة لقوانين غير مكتوبة هي الأعراف التي كرّسها قانون الملكية بمادته الخامسة.

ب- إن هذه الأرضي لا يملكها أحد، وهي ملكية جماعية لعموم الأهالي الذين لا تحديد لهم، فهم أجيال الماضي والحاضر والمستقبل ولا شخصية معنوية لهم ولا تمثلهم البلدية ولا المختار. إن حق الملكية الجاري على العقارات الملك يخول صاحبه حق الاستعمال والتمتع والتصرف ضمن حدود القوانين والأنظمة (المادة 11 من القرار رقم 3339/1930).

ثالثًا- آراء قانونية بشأن النظام القانوني للمشاعات

1- رأي هيئة التشريع والاستشارات: أفادت هذه الهيئة بما يلي:

إن نقل ملكية العقار آنفًا وتسجيله على أنه ملك خاص للبلدية هو مخالفة صريحة لأحكام قانون الملكية العقارية، إذ إن البلدية استندت في عملها هذا إلى أحكام المادة السابعة من قانون الملكية العقارية المتعلقة بالعقارات المتروكة المرفقة، في حين أن مالك العقار رقم 926 هو عموم أهالي قرية مرح كفرصغاب/المرح، وبالتالي فإن ملكية هذا العقار هي نوع من الملكية الجماعية أو ملكية اليد المشترك، وقد استقر اجتهاد المحاكم واجتهاد هذه الهيئة على القول بعدم صفة المجلس البلدي أو أي هيئة تمثيلية أخرى لتمثيل عموم أهالي القرية لجهة ممارسة حق التصرف بالعقارات الملك التي تكون مملوكة ملكية جماعية من عموم الأهالي.

2- رأي المديرية العامة للشؤون العقارية في ملف مشاعات كفرصعاب

استنادًا إلى أحكام الفقرة 2 من المادة 7 المعدلة بالقرار رقم 3339 تاريخ 12/11/1930 (قانون الملكية العقارية) التي قضت باعتبار العقارات المتروكة المرفقة ملكًا خاصًا للبلدية إذا كانت داخلة في نظامها. وأن للمشاعات أحكامًا مختلفة قانونًا عن تلك العائدة للأراضي المتروكة المرفقة لأن المشاعات قائمة في أراضي حكومة جبل لبنان القديم وهي بموجب المادة 5 من قانون الملكية العقارية تبقى خاضعة لأحكام العرف والعادات المحلية، وأن هذه العادات والعرف اعتبرت المشاعات أملاكًا جماعية للقرية أو المحلة التابعة لها، وملكيتها ثابتة على هذا النحو منذ مئات السنين وهي في حمى الدستور ولا يجوز أن تتصرف الدولة ولا البلدية ولا أي جهة أخرى بهذه الملكية، أما الحقوق التي للبلدية فهي أعمال الإدارة دون التصرف برقبة الملك، وأنه بتاريخ 14/2/2000 صدر قانون الموازنة العامة لعام 2000 رقم 173 تاريخ 14/2/2000 حيث أضيفت بموجبه فقرة إلى المادة السابعة من قانون الملكية تحظر على البلديات البيع أو التصرف بالعقارات المتروكة المرفقة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء

بالخلاصة المطلوب عدم السماح بتعدي المشاعات على بعضها البعض ولا السماح بتعدي الأفراد وبعض ذوي النفوذ على أي من هذه المشاعات ومكافحة التعديات السابقة بما يعيد كل الأملاك المسروقة إلى مالكي الأملاك المشاعية وفقًا لصفتهم القانونية الصحيحة.