حوزيف بوهيا

تبدّل لهجة باسيل: تزويرٌ للتاريخ وخوفٌ من المحاسبة

7 دقائق للقراءة

اعتاد اللبنانيون على أسلوب جبران باسيل في التحريض وشحن العصبيات. لكن هذه المرّة لا يحتاج كلامه إلى تفسير: من كلامه ندينه، وبالوقائع نردّ. المشكلة أن الرجل يتصرّف وكأن اللبنانيين بلا ذاكرة، وكأن عشرين عامًا من الوقائع الموثّقة يمكن شطبها بجملة مُحسّنة الصياغة.

فالكلام الذي يحاول من خلاله اليوم الإيحاء بأن “التيار الوطني الحر” لم يكن غطاءً سياسيًا لسلاح حزب الله ليس مجرد تعديلٍ في موقف سياسي. ما يجري هو محاولة لإعادة كتابة عقدين كاملين من التاريخ السياسي للبنان، وكأن التصريحات المسجّلة والتحالفات المعلنة والممارسات التي عاشها اللبنانيون لم تحدث أصلًا.

لكن التاريخ في لبنان لا يُمحى بتصريح.

وهذا ليس مادةً للتأويل حين يكون موثقًا بالصوت والصورة والتحالفات والقرارات المتراكمة.

منذ توقيع تفاهم مار مخايل عام 2006، لم يكن التيار الوطني الحر “حليفًا عاديًا” لحزب الله. لقد تحوّل إلى الغطاء المسيحي والسياسي الأوسع لمشروعه داخل الدولة اللبنانية. هذا التحالف لم يكن تقاطع مصالح عابرًا، بل انعطافة نقلت حزب الله من قوةٍ مسلّحة ذات نفوذ ضمن بيئة محددة إلى لاعبٍ يتمتّع بشرعية سياسية عابرة للطوائف، سمحت له بأن يتحرّك داخل الدولة وفوقها في آنٍ واحد.

الأدلة على ذلك ليست تحليلاتٍ سياسية. إنها تصريحات واضحة وصريحة، من رأس الهرم حتى كوادر الخطاب.

فالرئيس ميشال عون أعلن علنًا عام 2017 أن سلاح حزب الله لا يتناقض مع مشروع الدولة بل هو أساسي للدفاع عن لبنان. لم يكن ذلك زلّة لسان ولا اجتهادًا عابرًا، بل تعبيرًا رسميًا عن فلسفة سياسية كاملة تُدخل السلاح الخارج عن الدولة في قلب “العقيدة الدفاعية”، وتعتبره جزءًا من منظومة الشرعية لا استثناءً عنها. ثم استُكملت الفكرة نفسها بتبرير بقاء السلاح تحت عنوان أن الجيش غير قادر وحده على مواجهة إسرائيل، وكأن الدولة اللبنانية تُطالَب بالاعتراف بعجزها كتبريرٍ دائم لنزع قرارها السيادي من يدها.

ولم يكن هذا الخطاب حكرًا على الرئاسة. داخل التيار الوطني الحر تكرّر المنطق نفسه بوضوحٍ يقطع الطريق على أي محاولة تجميل لاحقة. ففي تشرين الأول 2017 كتب القيادي في التيار وديع عقل صراحة: “حزب الله حزب لبناني، ومن يتعرض له يتعرض لنا.” لم يكن موقفًا شخصيًا معزولًا، بل صياغة سياسية تقول إن المساس بالحزب يُعامل كمساس بالتيار نفسه، أي إن الغطاء ليس تحالفًا بل تماهيًا في لحظة المواجهة.

أما عضو الهيئة التأسيسية في التيار ناجي حايك، فذهب أبعد من ذلك عندما اعتبر في حديث إعلامي أن حسن نصر الله “رجل دولة”، وأن “المقاومة” التي يقودها جزء من مشروع الدولة اللبنانية وليست حالة نشاز عنها. هنا لم يعد الأمر دفاعًا سياسيًا بحدّه الأدنى، بل إعادة تعريف لمفهوم الدولة نفسها: دولةٌ تُلحق قرار الحرب والسلم بمنطق التنظيم، ثم تطلب من اللبنانيين أن يسمّوا ذلك سيادة.

بهذا المسار، لم يعد الحديث عن “تحالف سياسي” فحسب، بل عن خطابٍ متكامل يدمج سلاح حزب الله في معادلة الدولة، ويحوّل الاعتراض على هذه الازدواجية إلى “شبهة” لا إلى حق سيادي. وهذه هي نقطة الجوهر التي يحاول باسيل اليوم محوها: التيار لم يواكب السلاح كأمر واقع فقط، بل عمل على شرعنته سياسيًا وأخلاقيًا، ثم جعل من مطلب الدولة الواحدة والسلاح الواحد تهمةً جاهزة.

أما جبران باسيل نفسه، الذي يحاول اليوم التهرّب من هذا الإرث، فقد كان أحد أبرز المدافعين عنه حين كان ثمن الدفاع عنه يُدفع من الدولة لا منه.

في تغريدة موثّقة بالنص بتاريخ 29 تشرين الأول 2023، كتب باسيل بوضوح أن من يدعو الجيش اللبناني لسحب سلاح ما سماه “المسلحين” في تلك المرحلة كأنه يدعو إسرائيل لاجتياح لبنان. هذه ليست عبارة انفعالية عابرة. إنها الصياغة الأشهر لعقيدة التخوين التي استُخدمت لسنوات: كل من يطالب بحصر السلاح بيد الدولة يُقدَّم كأنه يفتح الباب للاحتلال، وكل من يطالب بأن يكون الجيش وحده مرجعية الدفاع يُتّهم بأنه يجرّد لبنان من الحماية. بهذه المعادلة، لم يكن الجيش مُكرّمًا، بل مُتهمًا ضمنيًا بالعجز، وكأن المطلوب أن يبقى “جيش الدولة” عنوانًا رمزيًا يُستدعى في الخطب، لا مرجعية تُسلّم لها البلاد قرارها.

والمفارقة أن الرجل الذي يريد اليوم الظهور بمظهر المدافع الأول عن الجيش والدولة هو نفسه الذي كرّس، قولًا وكتابةً، فكرة أن الجيش وحده غير كافٍ، وأن الدولة وحدها لا تكفي، وأن السلاح الخارج عن الدولة “ضرورة” تكمّلها. أي إن “دعم الجيش” في قاموس هذه المنظومة لم يكن دعمًا لاحتكار الدولة للسلاح، بل دعمًا لدورٍ ثانوي ضمن معادلة سلاحين وقرارين.

بهذا المعنى، لم يكن التحالف بين التيار الوطني الحر وحزب الله مجرد تقاطع في الرؤى. لقد تحوّل إلى معادلة سلطة كاملة: غطاءٌ سياسي واسع مقابل نفوذٍ عميق داخل مؤسسات الدولة.

كانت صفقة مكاسب لا قناعة: حصصٌ ومقاعد تُضخَّم بها الكتلة، مقابل شرعنة السلاح. وما يتبدّل اليوم ليس جوهر الصفقة، بل التسويق؛ إذ يبقى الاستعداد قائمًا لاستعادتها متى أعادت له رافعةً انتخابية تُنقذ حجمه المتآكل من الإضمحلال.

في تلك المرحلة حصل التيار على حضور واسع في السلطة التنفيذية والتشريعية والإدارية، فيما كان حزب الله يحصل على ما هو أهم: شرعية عابرة للطوائف مكّنته من تثبيت ازدواجية القرار، وتحصينها، وتعطيل كل محاولة جدية لاستعادة الدولة مرجعيتها.

من دون هذا الغطاء، كان الحزب سيبقى قوة مسلّحة نافذة داخل بيئته. لكن مع هذا الغطاء، تحوّل إلى لاعبٍ سياسي يمتلك شرعية وطنية مُصادَرة سمحت له بأن يفرض قواعده على الدولة، ويجعل من لبنان ساحة مفتوحة لكل اشتباك إقليمي، ثم يطالب اللبنانيين بتحمّل النتائج كقدرٍ لا كخيار سياسي فُرض عليهم.

وهذه ليست قراءة لاحقة للتاريخ. هذا سجلّ حكمٍ عاشه اللبنانيون ودفعوا ثمنه من استقرارهم واقتصادهم وسمعة دولتهم وقدرتها على حماية مؤسساتها. ازدواجية القرار العسكري والسياسي لم تكن نقاشًا نظريًا حول “مقاومة” و“دفاع”. كانت أحد الأسباب الأساسية التي أبقت لبنان خارج منطق الدولة، وعالقًا في دائرة الانهيار والانكشاف والتعطيل.

لهذا السبب تحديدًا تبدو محاولة باسيل اليوم للتنصّل من هذا المسار أشبه بمحاولة للهروب من مسؤولية مرحلة كاملة: مرحلةٌ لم تُبنَ على خطابات فقط، بل على خياراتٍ مُعلنة ومواقفٍ مُوثقة وممارساتٍ تحوّلت إلى نظام حكم.

والأخطر في رواية باسيل الجديدة أنها لا تعتذر ولا تراجع ولا تشرح. إنها تقفز فوق السنوات كأنها لم تكن، ثم تطلب من اللبنانيين أن يوقّعوا على نسخة معدّلة من ذاكرتهم. من يبدّل موقفه يملك حق المراجعة؛ أما من يبدّل الرواية فيطلب من الناس أن يتواطؤوا معه على الإنكار.

من هنا لا يتعلق الأمر بتبدّل لهجة أو تغيير خطاب. ما يجري هو محاولة لإعادة صياغة الذاكرة السياسية للبنانيين وكأن الوقائع التي عاشوها يمكن شطبها بعبارة جديدة. لكن ذاكرة الشعوب لا تُمحى بهذه السهولة، خصوصًا حين تكون مكتوبة على شكل تفاهماتٍ وقراراتٍ ومواقفٍ موثّقة.

في السياسة يمكن أن تتغيّر المواقع، ويمكن أن تُراجع الخيارات. أما تزوير الذاكرة لغسل الشراكة بالسلاح فليس مراجعة، بل خداعٌ مُتعمَّد. ومهما تبدّلت التصريحات، يبقى السؤال واحدًا: من منح الغطاء؟ من شرعن الازدواجية؟ ومن دفّع لبنان ثمنها؟

ومن يزوّر الذاكرة ليغسل شراكة السلاح لا يكتب تاريخًا جديدًا… بل يفضح خوفه من المحاسبة.