ما يجري اليوم يشبه ما حصل في أواخر ستينات القرن المنصرم: لنستعرض بعض ما جرى مطلع صيف 1972.
مساء الثلثاء 20 حزيران 1972، أطلقت مجموعة فلسطينية ممّن كانوا يعرفون بـ "جبهة الرفض" بعض الصواريخ من ضواحي حاصبيا باتجاه أراضيهم المحتلّة.
صباح اليوم التالي، ردّت إسرائيل بعنف شديد، فقصف الطيران الحربي والمدفعية الثقيلة حاصبيا وضواحيها، ولم توفر القذائف المنازل والمتاجر والحقول مخلّفة أضرارًا فادحة في الأرواح والممتلكات.
قبل ظهر الخميس 22 حزيران، عقد مجلس الوزراء جلسة طارئة، اتخذ خلالها قرارات عدّة لدعم المناطق الجنوبية من بينها، إيفاد وزير الصحة الدكتور نزيه البزري ووزير التصميم الدكتور جورج سعاده لزيارة المناطق التي تعرّضت للاعتداء.
صباح الجمعة، انطلق الوزير جورج سعاده إلى صيدا حيث وافاه الوزير البزري، وفي السراي عقدا اجتماعًا حضره محافظ الجنوب ورئيس مجلس الجنوب وكبار الموظفين، ثمّ انتقل الجميع إلى مرجعيون، حيث تفقدوا الجرحى في المستشفى، ومنها توجّهوا إلى حاصبيا، فتفقدوا الأضرار التي لحقت بالمواطنين، وزاروا المشايخ وعزوا ذوي الضحايا.
بعد ذلك، توجّه الجميع إلى مبنى البلدية للقاء رئيس البلدية الشيخ بهجت شمس والمخاتير ورجال الدين وكبار وجهاء البلدة. قبل دخولهم الاجتماع، همس الدكتور جورج سعاده في أذن الوزير البزري قائلًا "إن الغضب بادٍ على الوجوه فيجب أن ننتقي الكلمات كي لا نزيد غضبهم".
ما كاد البزري يبلغهم أن مجلس الوزراء كلّفهم التوجّه إلى حاصبيا لمعاينة ما جرى، وأن اجتماعاته لا تزال مفتوحة لمعالجة الوضع والخروج بالحلول الإيجابية السريعة التي من شأنها أن تعيد الطمأنينة إلى نفوس الأهالي، حتى انفجر غضب الأهالي على الدولة المستهترة بأرواح أبنائها وممتلكاتهم، كما نعتوا المقاتلين الفلسطينيين الذين يتمركزون بين المنازل ويطلقون القذائف باتجاه الأراضي المحتلّة ويهربون، بأبشع النعوت.
عبثًا حاول الوفد تهدئة الأهالي، الذين عادوا وقدّموا مذكّرة موجّهة للحكومة وموقعة من رئيس البلدية ومخاتير ووجهاء حاصبيا بمختلف انتماءاتهم، يُطالبون فيها بأن تفرض الدولة وجودها في المنطقة، وتعيد الاطمئنان إلى الأهالي، معلنين العصيان المدني ومطالبين بمغادرة جميع ممثلي السلطات المنطقة حتى تحقيق المطالب.
قبل مغادرة الوفد الوزاريّ حاصبيا، انتحى رئيسُ البلدية الدكتور جورج سعاده جانبًا، طالبًا منه نقل رسالة شفوية إلى الشيخ بيار الجميّل، يرجو فيها منه أن يرفع صوته أكثر في مواجهة التجاوزات الفلسطينية التي لم يعد أحد يستطيع أن يحتملها. كما حدّثه بالموضوع ذاته عدد من الوجهاء.
فور عودته من الجنوب، زار الوفد الوزاري القصر الجمهوري وأطلعوا الرئيس سليمان فرنجية على حقيقة ما جرى هناك وعلى رأي الأهالي. وأمام باب القصر، صرّح الدكتور جورج سعاده معلنًا أن مجلس الجنوب سيتكفل بالتعويض عن جميع الأضرار التي لحقت، وأن لجنة من المجلس لا تزال في حاصبيا لتقديم الإسعافات وكلّ ما يضطرّ إليه المتضرّرون. وقال: "لفت انتباهي في زيارتي المعنويات العالية التي يتمتع بها الأهالي وإصرارهم على الصمود في قراهم رغم كلّ ما يتعرّضون له".
من قصر بعبدا، انتقل الدكتور جورج سعاده لزيارة الشيخ بيار الجميّل الموجود في مستشفى مار يوسف بعد خضوعه لعملية المرارة، وأخبره بما شاهده في المناطق المنكوبة ونقل إليه رسالة رئيس البلدية والأهالي.
استدعى الشيخ بيار الجميّل الأستاذ جوزف أبو خليل، وطلب منه تخصيص افتتاحية صحيفة "العمل" للتحدّث عن الوضع غير المقبول الذي يعيشه من بقي صامدًا في أرضه في الجنوب، ووجّه عدّة أسئلة إلى ياسر عرفات ملخصها:
ألم يحن الوقت لوضع حدّ نهائيّ لما يحصل في الجنوب من تجاوزات يدفع ثمنها الأهالي؟
متى أصبح عمل الثوّار في العالم علنيًا وهو المعروف بسريّته؟ متى أصبح عمل الثوّار إطلاق القذائف والصواريخ والهرب؟ هل تهجير الأهالي من قراهم الجنوبيّة من مصلحة الثورة الفلسطينية؟ أيّ دولة عربية تسمح أن يحصل على أرضها ما يجري في لبنان؟ هل يتقيّد الفلسطينيون ببنود اتفاق القاهرة حتى يستطيعوا إسكات من يطالب بتعديله؟
هزت أسئلة الشيخ بيار الجميّل وافتتاحية العمل القيادة الفلسطينية، فأوفد ياسر عرفات أبو يوسف النجار وفاروق القدومي لعيادة الشيخ بيار الجميّل في محاولة لامتصاص النقمة.
تابع حزب "الكتائب" اعتراضه على ما يجري في الجنوب، فزار قصر بعبدا الخميس 29 حزيران وفد كتائبي ضمّ نائب الرئيس جوزف شادر والأمين العام جوزف سعادة والوزير جورج سعاده والنائب إدمون رزق، وأطلعوا رئيس الجمهورية على موقف "الكتائب" الرافض كلَّ ما يجري في الجنوب.
كان ردّ رئيس الجمهورية أن هناك مباحثات جديّة مع المقاومة الفلسطينية يقوم بها رئيس الحكومة صائب سلام وعدد من الموفدين العرب، الذين يحاولون أن يقنعوا قادة "المقاومة" بوجهة النظر اللبنانية، وأنه يأمل أن تتوصّل الحكومة إلى اتفاق مع الفدائيين يخفف الأضرار عن سكّان القرى الحدودية الجنوبية، وذلك ضمن مبادئ اتفاق القاهرة من دون حاجة لإلغائه لأن الإلغاء سيؤدي إلى صدام مع الفدائيين ومن يؤيّدهم متمنيًا على الوفد لقاء الرئيس سلام.
عاد والتقى الوفد الرئيس صائب سلام الذي كان يقود المفاوضات المضنية مع قادة "المقاومة"، وبعد اللقاء صرّح الأستاذ جوزف شادر داعمًا جهود الرئيس سلام، معلنًا ارتياح "الكتائب" لما سمعه من رئيس الحكومة، ومؤكدًا الاستعداد لمعاونة الحكومة في هذا الظرف لما فيه مصلحة لبنان، وختم بالقول: تبقى العبرة بالتزام المقاومة تنفيذ ما تتعهّد به.